Institute for War and Peace Reporting | Giving Voice, Driving Change

حياة جديدة بإنتظار سوق الكتاب في العاصمة بغداد

يعود الحماس والنشاط من جديد في شارع المتنبي الأسطوري بعد مضي سنتين على التفجيرات.
By IWPR Iraq
.



هذا هو شارع المتنبي الذي يمثل منذ مئات السنين المركز الأسطوري لتجارة الكتب في بغداد والذي وصفه أحد باعة الكتب قائلاً " يكاد يكون أشبه بفاكهة حُلوة المذاق تستمتع بها بعد تناول وجبة دسمة " ، مُضيفاً " فالمتنبي يعني مزيجاً رائعاً من الثقافة والأدب والأصالة والمفكرين والعلماء والأدباء ".



وقد ُسمي الشارع بهذا الأسم نسبة ً إلى شاعر فصيح عراقي من القرن العاشر ألهم بشعره الغنائي عشاقه ، لكن قبل عامان ونصف تحطم هذا السوق بنتيجة حدوث إنفجار أدى إلى مصرع 35 شخص وجرح العديد ، وخلال الشهور التي تلت هذا الحادث صار الشارع مهجوراً وخالياً تقريباً فقد تضررت محاله التجارية بشكلٍ بالغ ولم يستطع رواده الوصول إليه بنتيجة فرض حظر تجوال نهاراً وهشاشة الوضع الأمني في المنطقة.



ولم يعد الشارع إلى سابق عهده ولم تتجدد الحياة فيه إلا بعد بذل جهود كبيرة لتعميره وتبليط شارعه وإنارته حيث تم إعادة إفتتاحه أخيراً من قبل السيد رئيس الوزراء نوري المالكي وذلك في شهر كانون الأول من عام 2008.



الكاتب والصحفي عباس مهدي المؤمن يتجول كل يوم جمعة في هذا السوق ويتمنى لو أن بإستطاعته المجيء كل يوم. وبرأي هذا الكاتب إن نجاح حملة تعمير سوق الكتاب هذا بعد التفجيرات التي أطالته يعود بالدرجة الأولى إلى إستقرار الوضع الأمني عموماً في العاصمة بالرغم من حصول إختراقات أمنية بين الفينة والفينة.



وُيبين " إن عملية إعادة الإعمار هي عملية حقيقية ومباركة وناجحة وأتمنى أن تقود إلى إحياء الحياة الأدبية والثقافة في البلد من جديد ، وعلى دور النشر العربية في بيروت والقاهرة فتح فروع لها في العر اق وخصوصاً في شارع المتنبي.



جاءت شهرة شارع المتنبي من مجموعة الكتب الضخمة في أنواعها وكمياتها ولغاتها ومجالاتها التي يحتويها كالكتب الأنسانية والعلمية والقصصية.



وبعد زوال عصر صدام الذي ُمنع خلاله تداول الكثير من الكتب ظهرت في السوق في هذه الحقبة الزمنية مجموعة مُنّوعة جديدة من الكتب التي لم يكن في السابق مسموح الحصول عليها أو ترويجها.



يقول حيدر ناظم الذي يحمل درجة الماجستير في الفلسفة والذي جاء إلى سوق الكتاب يبحث عن مادة دراسية بأن تأريخ السوق الأخير عكس بشكل أو بآخر ما حدث في البلاد ، مُوضحاً " مرّ الشارع بالأزمة التي مرّ بها العراق بصورة عامة من أحداث معروفة صاحبت سقوط (صدام حسين) بالأضافة إلى الأنفجارات والتهديدات التي حدثت هي الأخرى. وفي غمرة كل ذلك كان المتنبي أحد الضحايا ولكن بعد أن قامت الحكومة بالقضاء على المجاميع المسّلحة نهض المتنبي من جديد ينبض بحيوية كتبه ".



وُيعّلق بائع كتب ُيدعى عبدالله عبد الهادي عبدالله بالقول: " وقد كان لأعادة إعمار هذا الشارع أثره البالغ الذي حدى بالناس معاودة زيارتهم بصورة منتظمة كالسابق لا سيما زواره الذين كانوا يزوروه في السابق ، علاوةً على الجمالية التي أضيفت إلى الشارع بعد إعادة الإعمار والتحسن الأمني الذي بدى واضحاً ولعب دوراً أساسياً أثمر عن زيادة وتيرة الزيارات لهذا الشارع العريق



ويؤكد عبدالله من جديد القول: " صار هذا الشارع كما كان أبداً ُملتقى معظم المثقفين والمؤلفين في العراق الذين يأتون بصورة منتظمة له ، وبإعتقادي إن اليوم الوحيد الحيوي في حياة هؤلاء هو اليوم الذي يجيئوا إليه ، والأمر يسري بطبيعة الحال على شريحة الفنانين والزوار الأجانب والأعلاميين ".



ويسترسل عبدالله في الشرح ُمبيناً " يأتي معظم المرشحين لعضوية مجلس المحافظة إلى شارع المتنبي للترويج لبرامجهم الأنتخابية ".



لكن موضوع إحياء شارع المتنبي يتقاطع أحياناً مع وتيرة العنف المتقطع والهجوم بالقنابل على أحياء المدينة كما حصل في آب من العام الحالي أو مؤخراً في الخامس والعشرين من شهر تشرين الأول الماضي الذي تسبب بمقتل وجرح المئات من الناس.



ويشكو الباعة من حيث إن هذه التفجيرات أثرت سلباً عليهم أيضاً رغم إنها لم تستهدف المتنبي نفسه.



لم يتسنى للسيارات على أثر ذلك ومنذ عام 2007 دخول هذا السوق بعد أن وقع فيه الهجوم حيث تم رفع مستوى الأمن بعد تفجيرات شهر آب ومرةً أخرى في أعقاب العمل الوحشي الذي أرتكب في يوم 25/تشرين الأول.



لقد أغلقت جميع الطرق ضمن رقعة تقدر بنصف قطرمقداره 2 كم بصورة جزئية أو كلية مع تضييق الخناق بشدة في أيام الجمع خشية الهجوم على المساجد المكتظة بالناس. ومن جانبٍ آخر فإن يوم الجمعة هو اليوم الأكثر إزدحاماً من أيام الأسبوع لا سيما في المتنبي حيث ُتعّوق الضوابط والأجراءات المتخذة وصول الزبائن إلى منطقة المتنبي.



كان يبحث طالب في قسم الهندسة المدنية المدعو ألياس علي على كتاب حول برنامج الأوتوكاد للتصاميم الهندسية لكن القوات الأمنية طالبته بإيقاف سيارته على بعد بضعة كيلومترات والقدوم سيراً على الأقدام.



ويستدرك ألياس القول " علي أن أسير كل هذه المسافة للعودة إلى سيارتي والرجوع إلى منزلي ، إن هذا فعلاً لجنون ، وسوف لن آتي إلى هنا بعد الآن ".



ويقول صالح يعقوب ولديه كشكاً للكتب على ناصية الشارع " كلما حصل إنفجار يسوء عملنا التجاري فلولا هذه القنابل لكنا بخير من جديد " .



يقول ممازحاً السيد رائد فهمي مالك مكتبة دار الرواق لبيع الكتب ذات الألوان والأحجام المختلفة بشكل رزم قد وضعها على الأرض و على الرفوف إن كتبه تعاني حالياً من الوحدة ، فقد طال إنتظارها لأحبائها القراء الذين على ما يبدو يفضلون أن ينعموا بالأمن والأمان في بيوتهم بدلاً من أن ينهلوا العلم والمعرفة من هذا الشارع ".



أعتاد فهمي على إعادة تقييم وجرد كتبه أسبوعياً كحال بقية الباعة في هذا المكان لكنه يستدرك قائلاً " لم يخرج ولا حتى كتاب واحد من مكتبتي منذ أحداث الأحد الدامي " مشيراً بهذا إلى يوم وقوع الأنفجارفي 25 / تشرين الأول الماضي.



ورغم وتيرة العنف في كل مكان لم تنطفىء جذوة المتحمسين لتجهيز وإرسال الكثير من الكتب إلى شارع المتنبي.



هبة جمال و رند جمال أختان توأمان تبلغان السابعة من العمر ترتديان سروالان جينز متماثلان وقميصان برتقاليان متماثلان أيضاً وغالباً ما يقدمان للشارع بصحبة والدهما.



تؤكد هبة بإصرار " سآتي إلى هذا السوق مهما كلفني الأمر وحتى لو أضطررت إلى السير في كافة طرق بغداد ".



وتجدر الأشارة إلى عودة النساء إلى سوق تجارة الكتب بالنظر إلى التحسن الأمني ، وفي ذات الوقت المرور بالقرب من مقهى الشابندر الأسطوري الشهير الذي طالما كان يلتقي فيه المثقفين والشخصيات البارزة لتناول الشاي.



آمال حسين ناشطة في مجال حقوق الأنسان تقول كانت النساء من المواظبات لا سيما في أيام الجمع على زيارة المكتبات وذلك قبل حرب عام 2003 إلا إن الخوف من تصاعد أعمال العنف بعدهذا التأريخ منعهنّ من التواصل لكن حالياً بدأت الأمور تتغير لتأخذ منحىً جديداً يتسم بالأنفتاح.



الصحفية رشا العامري تؤكد إن المشاكل الأمنية ساهمت في إبعاد المرأة وتستطرد القول " نظراً لأنحسار الزيارات ُحرمت المرأة من المعرفة والأطلاع وهذا بحد ذاته مؤشر خسارة للمجتمع فالمتنبي كنز نادر لا مثيل له فـعلى أية إمرأة مثقفة أن يكون لديها الطموح لزيارة السوق بصورة دائمة ومتكررة خصوصاً بعد حملة إعادة الإعمار التي شهدها ".



من الملاحظ إن بعضهم غير متحمس أو مهتم تماماً بموضوع إعادة إعماره فبائع الكتب عبدالله يرى إن الترميمات والتجديدات جاءت سطحية لمعظمها لأن الشارع بحاجة إلى ترميمات حقيقية وليس شكلية فمعظم البنايات قديمة وعلى وشك الأنهيار.



من جانب آخر نجد الزبون نديم وهو عسكري قديم يمتدح ما تم القيام به من لمسات أضفت رونقها وجماليتها على البنايات القديمة فيه.



لكنه أستطرد قائلا ً " يبقى المتنبي كما هو سواء ُبني بالمرمر أو بالطين لأن الحكم يكون على المضمون لا الشكل فهو بحق بيت الثقافة ".



ومن جانبه يؤكد التميمي على إن الكتب هنا هي أجمل ما يكون.



جنان فرحان - صحفية متدربة في معهد صحافة الحرب والسلام - بغداد



كما ساهم في إعداد هذا التقرير:



عبير محمد – محررة محلية أقدم في معهد صحافة الحرب والسلام - بغداد