Institute for War and Peace Reporting | Giving Voice, Driving Change

ثمن البقاء

رغم المخاطر، قرر احد الصحفيين البقاء في بغداد والعمل من اجل مستقبل افضل مفضلا ذلك على الذهاب للعيش في المنفى.
By Zaineb Naji
. اطفالي بعمر 5 و 9 سنوات، ولذلك علي ان اوصل لهم توجيهاتي على شكل مسابقة اكافئهم عليها.



عليهم ان لا يجلسوا قرب النافذة في السيارة. واذا سمعوا صوت انفجار عبوة او سيارة مفخخة، عليهم النزول الى ارض السيارة فورا.



اخبرهم دائما بعدم التحدث مع الغرباء، وعدم اللعب قرب بوابة المدرسة، وعدم الركوب في سيارة الغير حتى وان كان من اصدقاء العائلة. عليهم عدم اخبار زملائهم باسمائهم الكاملة او وظائف والديهم او اين يقيمون ويسكنون.



تلك احدى الاعباء التي تتحملها الام العراقية هذه الايام. علينا ان نكون مهيئين لاي سيناريو محتمل واخذ الاحتياطات اللازمة. نحاول البقاء اقوياء.



حين اذهب للتسوق، احاول شراء الاشياء التي تدوم طويلا كي اتجنب الخروج الى المحل باستمرار. اما بالنسبة للطعام الطازج، فقد زرعت بعض الخضروات في فناء حديقتنا الصغيرة.



انه من واجب الام حماية اولادها، وانا مسكونة بالكثير من "ماذا لو". ماذا لو ان بيتي كان مراقبا وتم خطف اطفالي عند خروجي الى المحل للتبضع؟ تم خطف بعض الاطفال بهذه الطريقة، في الساحات امام بيوتهم واثناء تواجد عوائلهم.



ماذا لو انفجرت عبوة ناسفة او سيارة ملغومة؟ ماذا لو تم ايقافنا في نقطة تفتيش وهمية وطلبوا هوياتنا؟.



وماذا لو فقدت صديقة اخرى؟ خلال الحرب الطائفية، لم يكن يمر يوم دون ان اسمع ان صديقا او قريبا قتل او هاجر خارج العراق. لم يبقى لي سوى صديقة واحدة او اثنتان.



القلق لا ينتهي. لقد تخطيت هذه الفترة وانا ادعو الله ان يبعد الشر عنا. لقد عودت نفسي وعائلتي على هذه الحياة الغريبة في بغداد.



يتعلم الانسان الكثير خلال فترة الحرب، وانا تعلمت انه و رغم كل المشاكل، فانا لا استطيع ترك العراق بل ويجب ان ابقى فيه. قررت البقاء لاني اكره فكرة العيش في الغربة كحل لمشاكلي.



حين فكرت بنقل عائلتي خارج العراق، سألت نفسي، ماذا ساكسب من وراء تركي العراق؟ هل سيحقق ذلك المستقبل الامن لي ولعائلتي؟ هل سأغادر الى الابد؟ يكون من الصعب عليك العودة ان وطأت قدمك خارج حدود بلدك.



عائلتي تعيش هنا، ورغم المشاكل، فان اطفالي يلعبون مع اصدقائهم ويزورون جدهم واعمامهم. فقط اريد ترك البلد بصحبتهم جميعا- كل اخواتي واخوتي وعائلة زوجي. ذلك امر غير واقعي من الناحية العملية والمالية.



ان سافرت خارج العراق، فان ذلك يتطلب الحصول على وظيفة وموقع كالذي انا عليه الان كي استطيع اعالة اطفالي. وهذا ايضا امرغير واقعي. الهجرة تعني ان تبدأ من الصفر، وخاصة كونك عراقي. جوازاتنا غير مرغوب فيها في بقية انحاء العالم.



اعيش في بيتي الذي املكه في العراق. اعمل في الجامعة وفي الصحافة، ولي سمعة طيبة بين اصدقائي.



كاستاذة جامعية، فان اقل ما يمكن ان اقدمه هو مساعدة الجيل الصاعد على كيفية التفكير. وكصحفية، فان ما اكتبه قد يساهم في عملية التغيير في هذا البلد. انا مقتنعة ان الصحافة قد جلبت شيئا نافعا الى هذا البلد- حرية الكلام.



حين سقط نظام صدام حسين، توقعت ان تكون الحياة افضل مما هي عليه الان. لكنني قرأت الكثير وانا اعرف انه وبعد اي حرب فان الامور والاحوال تنهار. وهذا ما حصل في اوربا بعد الحرب العالمية الثانية- في المانيا على وجه الخصوص- بالرغم من وجود حركة البناء والتقدم الاقتصادي خلال فترة حالة الطواريء.



اذا تهيأت الفرصة للعراق للوقوف على قدمه ثانية، فاننا خسرنا تلك الفترة لاننا مشغولون بالقتل والخطف واذية الناس. ونحن الان مشغولون بالنهب والسلب لخيرات البلد بدلا من محاولة اعادة بناء العراق.



هذه هي مأساة العراقيين. لقد صفقنا لفكرة التغيير لكننا لا نتحمل ثمن الحرية.



منذ فترة صدام حسين والعراقيون يضحون بكل شيء، بيوتهم وممتلكاتهم واطفالهم بل وحتى حياتهم. هناك من يتحمل تلك المعاناة وهناك من لا يتحملها ويقول "كفى، اريد ان اعيش، متى سأجد الراحة؟؟



لكن الكثير اختار البقاء. رغم تهجيرهم وفقدانهم بيوتهم وممتلكاتهم، الا انهم وجدوا اماكن بديلة للعيش فيها داخل العراق حيث بدأو بناء حياتهم هناك.



طالب الكثير من المواطنين بالتغيير، لكن لكل تغيير هناك ثمن. حتى تغيير ابسط الاشياء في الحياة يحتاج الى جهد ووقت. هناك احتمالية ان ننجح او نفشل.



اذن لماذا ننهزم؟ علينا ان ندفع الثمن، وننتظر لنرى النتائج.



اذا لم نتمسك بالبقاء، فاننا سنخسر البلد بالكامل وكذلك مستقبل اطفالنا. رغم عدم امكانية العيش بأمان واستقرار، لكن سيأتي اليوم الذي يرى فيه اطفالنا ما عملناه من اجلهم.



زينب ناجي: صحفية متدربة في معهد صحافة الحرب والسلام في بغداد.