Institute for War and Peace Reporting | Giving Voice, Driving Change

ثمار الرقي تحل محل العبوات الناسفة على طريق بغداد

رحلة على الطريق العام السيء الصيت الذي ُيعّد بالمقارنة مع بقية الطرق أخطر طريق للمتمردين.
By IWPR Iraq
.



قبل سنتين ، كان اللصوص والمتمردين يسرحون ويمرحون في هذا المكان جاعلين منه أكثر أماكن العراق لاقانونية ًعلى الاطلاق. كل شخص يمّر من هذا الطريق يتعرض للسرقة أو للقتل أو للأختطاف فالقليل من الناس يتوقفون طواعية ًهنا. وتوقف السائق الذي كان يقودنا وهو عربي من الطائفة الشيعية ذو شعر قصير ونظارات شمسية عريضة ، توقف بالقرب من عدد من أكشاك القصب.



كان المزارعون على جانبي الطريق يبيعون ثمار الرقي حيث تترتب على شكل أكوام مكونة من 3 قطع . معظم البائعين وقفوا تحت الشمس بالقرب من منتوجهم، ُمتجنبين بذلك التوقف تحت ظل الاكشاك بالرغم من حرارة أشعة الشمس اللاهبة.



إلا أنه كان هناك رجل واحد فقط قد جلس في الظل وكان يرتدي دشداشة ُملطخة بالطين بالإضافة الى يشماغ أحمر اللون يلتف حول عنقه. وقد بدت ثمار الرقي خاصته صغيرة وقديمة. ويبدو أنه أدرك بأنها كانت غير جديرة بأن ُيعّرض نفسه للشمس من أجلها.



أما المسافرون وهم خليط من كرد وعرب فكانوا ُمتجهين جميعاً الى بغداد ، حيث ترجلوا وبدأوا بانتقاء الرقي.



أما أنا فقد بدأت حديثاً مع ُمزارع صغير يبلغ من العمر 12 عاماً قال إن أسمه روكان وأخبرني أنه ترك المدرسة قبل ثلاث سنوات. كان شعره الطويل قد أخفى أذنيه ومؤخرة عنقه.



كانت أشعة شمس الصيف قد أحرقت بشرة وجهه وذراعيه وقد كشف عن صف من الأسنان الكبيرة والمسوسة تغطيها شفة مشققة برزت لدى حديثه معي.



في هذه الأثناء أكمل المسافرون الذين كانوا يرافقوني شرائهم لثمار الرقي حيث حملوا أكثر من دزينة منها ووضعوها في صندوق السيارة .



كنت على وشك الصعود الى السيارة عندما لوّح روكان الي بيديه ُمشيراً عليّ بالأنتظار ، بعدها مباشرةً قام بإنتقاء إحدى ثمار الرقي وتوجه نحوي وبعد مرور ثانية واحدة أنزل الثمرة الاولى وأمسك بالأخرى.



بعدها أنزل تلك الثمرة أيضا واختار واحدة ثالثة ، بعد أن نقر عليها ليتاكد من كونها طازجة سّلمها إلي قائلا ً " هذه لك ".



بينما كانت الشاحنات والحافلات والمركبات الصغيرة تركن على جانب الطريق لكي تسمح لمسافريها بإنتقاء ثمار الرقي كنت أنا في حالة وجدانية خاصة حيث ترك المشهد الأيجابي الماثل أمام أعيني إنطباعه الخاص في نفسي.



بالنسبة لي لم أشتري من تلك الثمار إلا إنني كنت سعيداً بالتحدث إلى روكان. كما ُيخّيل إلي بأنه كان يأمل أيضاً أن يتوقف شخص ما ويتحدث معه عن شيء آخر ليس له صلة بثمار الرقي.



لما أعود بذاكرتي إلى الوراء أتذكر تماماً كيف كنت قد سافرت عبر هذا الطريق في نيسان عام 2003 ، بعد مرور بضعة أيام فقط على الغزو الاميركي للعراق ولازلت أتذكر مساحة زراعية مسطحة تحت سفح تلال حمرين، وبالكاد ترى أنساناً هناك فحتى الطريق كان خالياً حينها. ُيخيّل لي إن الجميع قبعوا داخل بيوتهم ، ينتظرون ما سيحدث ، كما إنني كنت قد مررت من هناك عدة مرات عندما كان المتمردين في أوج نشاطهم.





كما أتذكر إحدى المرات في الضواحي الجنوبية لمدينة العظيم كان الزخم المروري شديداً جداً إلى الحد الذي أضطرت فيه العديد من السيارات إلى الوقوف جانباً.



وإنجلى الموقف في النهاية عن تواجد الجنود الاميركان في المنطقة والذين كانوا قد قطعوا الطريق بعجلاتهم ، وفي حقيقة الأمر كنا نجهل السبب.



كنت أريد أن أعرف مالذي كان يحدث ، فقررت المخاطرة بترك الشاحنة التي كانت تقلني والاقتراب من أحد الجنود الاميركان.



توجهت بحذر نحو حاجز الطريق لأجد رجلاً ُملقى على الارض وهو ينزف بغزارة. كان سائق الشاحنة كردي يقوم بنقل حواجز كونكريتية واقية من الانفجارات من معمل في أربيل الى مدينة بعقوبة المتسمة بالعنف الواقعة الى الشمال من بغداد.



تعمل هذه الجدران الكونكريتية على حماية مراكز الشرطة والمؤسسات الحكومية المُعّرضة لهجمات المتمردين في بعقوبة وعناصر القاعدة.



أما اولئك الذين كانوا ضمن موكب السائق فقد تعرضوا للهجوم من قبل مجموعة ُمسّلحة حيث أمطرت شاحناتهم بوابلٍ من الرصاص. على أثر ذلك تعرضت إحدى الشاحنات الى الاحتراق ومن ثم تدحرجت الى وسط الصحراء.



لم يتمكن الجندي الاميركي من فهم ما يقوله الرجل الجريح فكنت أنا المترجم في ذلك الوقت الذي تولى هذه المهمة.



أخبرني أحد الضباط الاميركان بانهم استدعوا طائرة مروحية لنقل الجريح فأخبرته بذلك ، الا انه اشتكى في البداية قائلا انه يريد البقاء لوحده.



ُسرعان ماغيّر الرجل رأيه ، وابتسم لزملائه السائقين ، حيث يبدوا ان فكرة الصعود في مروحية عسكرية قد راقت له.



جاءت المروحية العسكرية لتثير عاصفة من التراب الشديد ونقلت الجريح.



وشهد العراق هدوئاً نسبياً بعد مضي سنتين على تلك الحادثة .



وعلى الرغم من إنسحاب القوات الاميركية من العديد من المدن الكبيرة، إلا انهم مازالوا يتواجدون في ضواحي كركوك ، على طول الحدود ما بين الأكراد والعرب.



هذا وقد قابلنا القوات الاميركية في رحلتنا الاخيرة. فبينما اقتربت السيارة التي كانت تقلنا من رتل اميركي، لوّح لنا احد الجنود الشبان وسمح لنا بالاجتياز. في الماضي ما كان هذا ليحدث لأنه أشبه بإستحالة حيث عادة مايكون الجندي الذي يجلس في الخلف مشدود الاعصاب وهو يلوح للشاحنات في الخلف الى البقاء في مكانها، ُمسببا تزاحماً خلف الرتل.



لكن مازالت المنطقة التي ُتحاذي العظيم غير آمنه بالكامل ، حيث مازال الناس يحاولون عدم المكوث هناك لما بعد وقت الغروب ولأي سبب من الأسباب.



قبل سنتين من الآن ، كانت حركة المرور سريعة جداً في هذا المكان ،حيث تدق القلوب بسرعة ُتوازي سرعة المحركات للخروج منه بالسرعة ذاتها.



أما اليوم فتتوقف السيارات لأبتياع ثمار الرقي التي أخذت مكان العبوات على طول الطريق.



أيوب نوري - صحفي ُمستقل يعمل في معهد صحافة الحرب والسلام - حلبجة