Institute for War and Peace Reporting | Giving Voice, Driving Change

ثقافة البصرة: بوادر لبزوغ جديد

مركز العراق الفني يحاول ان يستعيد عافيته بعد سيطرة المليشيات والمتطرفين الأصوليين
By
"الخشابة" البصرية الشهيرة، مشفوعة بتصفيق الجمهور الذي أبدى الحماس طوال فترات العرض.



العرض الذي اقامته فرقة البصرة للفنون الشعبية، كجزء من مهرجان اختيار البصرة عاصمة للثقافة العراقية لعام 2009، كان مناقضا لما اقامته الفرقة ذاتها من لوحات راقصة ضمن مهرجان اقيم في التوقيت ذاته من العام الماضي، نظرا لخشيتهم من المليشيات المسلحة المسيطرة وقتئذ، الامر الذي اجبر الراقصات على ارتداء براقع واحجبة لا تكشف سوى العيون.



فبعد ان كانت البصرة عاصمة للفنون خلال العقود الماضية، فان فنانيها وموسيقييها وراقصيها قد اختفوا بشكل كامل، عقب مجيء العصابات الاصولية التي هيمنت على المدينة الجنوبية خلال السنوات الاخيرة، ولم يزل الخوف منها ساريا في اوساط البصريين، كما لا تزال مؤسساتهم الثقافية عبارة عن خراب.



الا ان المراقبون يقولون بان تراث البصرة الثقافي المتنوع بدأ بالعودة الى الظهور بصورة بطيئة وسط تحسن الاوضاع الامنية وسيطرة الحكومة بالحد من نفوذ المليشيات في ثاني كبريات المدن العراقية، كما يرى سكان البصرة وفنانوها بان عودة فرقة البصرة للفنون الشعبية ممارسة عروضها الراقصة، خير دليل على ان البصرة بدأت تستيد عافيتها احياءا لجذورها الفنية والثقافية.



الشاعر والكاتب طالب عبد العزيز، يقول "ظننت بان البصرة ستحتاج الى وقت طويل لاستعادة حريتها واعادة النشاط الى مؤسساتها الثقافية التي شلت بسبب الاصوليين، لكنني ادركت الآن باننا خطونا خطوات جبارة".



وتحتضن البصرة التي تطل على الخليج العربي اكبر ميناء في العراق، ويكون سكانها خليط من الشيعة المحافظين والعلمانيين والسنة والمسيح وطوائف اخرى، ويتنوع المشهد فيها بين رجالات الدين والفنانيين والتجار. ونظرا لما عرفت به البصرة كمركز للتجارة والثقافة في العالم العربي، فقد اضحت تلك المحافظة الغنية بالنفط ساحة لصراع المليشيات الشيعية التي حاولت السيطرة على اقتصادها واعرافها الاجتماعية.



منذ التسعينات بدأت البنية التحتية الثقافية للبصرة بالانهيار، عندما هيمن الاسلاميون على المستوى المحلي ورزح العراق تحت العقوبات الدولية. وقد ساءت الاوضاع بعد عام 2003، حيث سيطرت المجاميع المسلحة على الشوارع.



وكان الاصولييون المعروفون بتبنيهم مليشياتهم الخاصة بهم يحاولون فرض اخلاقات وثقافات اصولية معينة، هم المسؤولون عن قتل ما لا يقل عن 40 امراءة، واجبار النساء الاخريات في المحافظة على ارتداء الحجاب، ومنع الموسيقى التي لا تتماشى مع معتقداتهم.



اضافة لذلك، فقد عملوا على طرد الفنانيين ومضايقتهم، كما فعلوا مع احد اشهر الملحنين البصريين لذي هدد حسب الادعاءات واجبر على تلحين نشيد وطني لاحدى الجماعات المسلحة، مقابل ابقاءه على قيد الحياة، وبعد امتثاله لاوامرهم ترك الملحن البصرة اثر تلك الحادثة مباشرة وتوجه الى العاصمة بغداد متسترا.



لكن فاعلية المليشيات تراجعت من مركز المدينة وتركزت مناوراتهم القليلة في ضواحي المحافظة عقب العمليات العسكرية التي اجريت في اذار العام الماضي بمشاركة الجيش العراقي والبريطاني والتي استهدفت الجماعات المسلحة، وابرزها "جيش المهدي" وهو الجناح العسكري للتيار الصدري.



وقد ساعد التحسن الامني على استعادة ثقافة البصرة لروحيتها. لكنها ظلت بعيدة بعض الشيء من مرحلة الازدهار، فيما ظلت نظم الليبرالية الجديدة غير مرحب بها بالمرة في المحافظة.



في احتفال البصرة عاصمة الثقافة الذي جرى نيسان الماضي، وحيث العرض الراقص، فقد غادر بعض رجال الدين الذين حضروا حفل الافتتاح تاركين العرض في منتصفه. و حذا آخرون حذوهم في وقت لاحق من مساء ذلك اليوم.



الشيخ زكريا الصالحي احد الموالين لرجل الدين الشاب مقتدى الصدر، وهو واعظ ديني، وصف تلك الراقصات حاسرات لرأس بأنهن "رموز للفساد الاجتماعي" رغم انه لم يحضر الحفل.



هذا وقد عادت بعض مظاهر الحياة الليلية، وتناول المشروبات الكحولية الى البصرة، التي كانت واحدة من مراكز الحفلات الماجنة في عهد نظام صدام حسين. وبذلك فان عودة الحياة الليلية امرا غير مقبول بنظر بعض الاسلاميين.



الصالحي يرى بان "على رجالات الدين لعب دور الواعظين في هذه المرحلة" لكنه يستدرك "اذا ما أتيحت لهم السلطة في يوم ما، فسوف يعملون على تغيير هذه الثقافة لإرجاع المجتمع الى السراط المستقيم".



ومع ذلك، فهو يؤمن بفكرة اختيار البصرة كعاصمة للثقافة العراقية "اذا مابنيت هذه الثقافة على التعاليم الاسلامية، وليس العروض الراقصة والغناء التي تنقل ثقافة مشوهة للاجيال الجديدة".



اليوم، وبالرغم من كون المليشيات لا تسيطر على الشارع البصري، الا ان حضورهم مازال قويا نوعا ما ومثارا للرعب. فقد تشهد ملصقات ولوحات دعائية مشوهة بالطلاء في مناطق عديدة لانها تحمل صور نساء حاسرات الرأس، كما تم كتابة كلمة "خائن" باصباغ بارزة على بعض المنازل وهي دلالة تهديد لاصحابها.



وحتى الراقصات في فرقة الفنون، فهن حتى وان لم ترتدين الحجاب على خشبة المسرح، لكن غالبا ما يعدن الى منازلهن وهن يرتدين العباءات والحجاب لكي لايتم تمييزهن.



احدى الراقصات علقت بالقول "الحرية موجودة الآن، الا ان الحكومة لم تعطنا اية ضمانات بعدم تعرضنا للمهاجمة".



واضافت "نشعر بالحرية على خشبة المسرح فقط. نخشى الذهاب الى السوق. خشية ان يميزنا الناس لاننا راقصات. فلن يدعنا المتطرفون والاصوليون ان ناخذ فرصتنا، ومعتقداتهم قد تكلفنا حياتنا".



كما تواجه البصرة في الوقت نفسه صعوبة باعادة بناءها كعاصمة للثقافة. فمن المفترض ان تقيم المدينة فعاليات ثقافية متنوعة للفنون الجميلة وحفلات موسيقية كجزء من كونها "عاصمة ثقافية" خلال هذه العام، الا ان الاغلبية الكبيرة من دور السينما ومراكز الفنون والمسارح وحتى محلات بيع الآلات الموسيقية لم يعد لها وجود.



فقد تحول سوق الطبول في البصرة الى محال للتبضع المنزلي، اما مقر نقابة الفنانين فقد تم الاستيلاء عليه من قبل احد الاحزاب السياسية، بينما تتخذ بعض العوائل مقر اتحاد الادباء والكتاب مكانا لسكناها.



بالاضافة الى ذلك فان "بهو الادارة المحلية" و هو صرح ثقافي كبير، كان في وقت ما مقرا لاحدى المؤسسات الاعلامية التابعة لمنظمة بدر، وقد تقاسمته المؤسسة اليوم مع الجيش العراقي الذي اتخذه مقرا له، فيما ترعى الابقار عند بوابته وباحته الخلفية.



وتحاول الحكومة العراقية إيجاد حل لهذه المشاكل، فقد دأبت ضمن تقليد سنوي ان تقيم مركز ثقافي في كل محافظة تتخذ عاصمة للثقافة، وقد كشفت مصادر عن موافقتها لاقامة مركز ثقافي ضخم بكلفة تقارب الـ 10 ملايين دولارا لاتمام بنائه، تحت اسم "قصر الثقافة والفنون والاداب" في البصرة.



هذا ويعترف طالب عبد العزيز الذي يعمل في لجنة الاشراف على مهرجانات "البصرة عاصمة للثقافة" بان نقص البنى التحتية الثقافية مثل المسارح والقاعات ودور السينما يعرقل اقامة العديد من الفعاليات.



يشار الى ان العديد من الفعاليات الخاصة بالمهرجان ستتوقف خلال فصل الصيف الذي ترتفع فيه درجات الحرارة، ولازالت العديد من البنايات في طور الترميم، كما سيتم الاعلان عن الفعاليات القادمة في وقت لاحق من هذا العام.



ويرى عبد العزيز بان اعمار البصرة كعاصمة للثقافة "قد يتخذ واجهة دعائية لاظهار الاستقرار الامني، او لاسباب سياسية واقتصادية تهدف الى جذب الاستثمارات".



الا انه رغم كل المعوقات، لا يزال هناك امل. فالعديد يقولون بان الحياة في البصرة قد شهدت تحسنا واسعا، حتى وان كان الوضع الامني لا يزال ضعيفا.



قائد عمليات البصرة اللواء محمد الهويدي، يشدد على عدم حصول اعمال ارهابية مؤخرا في البصرة وبان "بعض الجرائم التي حدثت هي من الحوادث الاجرامية التي تحصل في كل مكان".



اما عبد العزيز فهو لا يزال متفائلا في المستقبل بان "ستستضيف البصرة مرة اخرى فعاليات خلاقة ومهرجانت، وستنعتق ثقافة التنوع التي وجدت من قبل".



عبد العظيم كريم محرر لمعهد صحافة الحرب والسلام في البصرة