Institute for War and Peace Reporting | Giving Voice, Driving Change

تقرير خاص: تهدئة الغضب السني

هل سنؤدي مشاعر الغضب ورفض الاقتراع بين العرب السنة الى الحكم على العراق بالفوضى طويلة ـ الأمد؟
By Lisa Clifford

بينما يتعثر العراق في مسيرته نحو أول أنتخابات ديمقراطية منذ أكثر من جيل , يبدو أن الطائفة العربية السنية الغاضبة المسلحة قد اختارت أن تبقى خارج ذلك .


مع ان مراقبي الوضع في العراق قد يتفقون على أكثر من ذلك بقليل، لكن الجميع يعترف انه اذا لم يشارك سكان القلب الجغرافي للبلاد في عملية بناء بلد موحد، فلن يكون من السهل على الدولة ان تعمل.


وواضح كذلك ان مقاطعة سنية شاملة لانتخابات الثلاتين من كانون الثاني ستغذي فقط الغضب والاستياء اللذين يشعر بهما الكثير من أبناء الطائفة. وقد تجسد هذا فعلاً في المقاومة المسلحة العنيفة المتصاعدة، وسوف تتغذى أكثر بمشاعر الاستثناء ـ أذا كان هذا حقيقياً ـ واذا ما ابتعد السنة عن الانتخابات.


وعلى الرغم من العراقيل، فان حكومة العراق مع حليفيها الأمريكان والبريطانيين، حريصون على ان التصويت لانتخاب (275) عضواً للمجلس الوطني الانتقالي الذي ستكون مهمته الرئيسة وضع دستور جديد للبلاد، يجب ان يسير على وفق المنهج المقرر، وتعتبره الأطراف المعنية كلها شرعياً، ويمهد الطريق أخيراً للانسحاب من العراق.


وحسب التقديرات، فان ثمة (40) ألف متمرد يجوبون "المثلث السني"، يهدفون أيضاً الى خروج الجنود الأمريكان ـ ولكن على وفق شروطهم. ويبدو ان ستراتيجيتهم بسيطة جداً وهي: اصمدوا حتى يشعر الأمريكان أخيراً بالتعب من حرب الاستنزاف، ويضطرون الى التراجع تحت ضغط الرأي العام الأمريكي.


ولكن، هل سيؤدي عدم الرضا السني ومقاطعتهم المحتملة للانتخابات الى الحكم على العراق بالفوضى طويلة ـ الأمد، او ان مجتمعاً متطوراً ومتنوعاً من سلسلة كاملة من المحامين والأطباء والكتاب والأكاديميين الى المسلحين أصحاب الكلاشنيكوف، يمكن ان يعاد الى الحظيرة؟


ان الخبراء الذين التقاهم مندوبو معهد صحافة الحرب والسلام اتفقوا على ان التحالف قد تورط بشكل سيء في مستنقع التمرد الحالي، لكنهم يعتقدون ان حرباً أهلية يمكن تجنبها اذا ما عولجت الأخطاء الأولى وبذلت جهود للاتصال بالأقلية السنية في البلاد.


إضعاف المتمردين


يقول أحد الاستنتاجات المركزية ان على اللاعبين الدوليين، اضافة الى المسؤولين في حكومة العراق، ان يكونوا واقعيين فيما يتعلق بطبيعة حركة التمرد التي تهدد في المرحلة الحالية عملية بروز البلاد كدولة ذات سيادة.


ويقول المراقبون ان التحالف يحتاج الى تقبل حقيقة ان سلسلة من الأخطاء قد سمحت للتمرد بالتوسع الى أبعد من جذوره البعثية، وانتشر داخل الطائفة السنية بشكل عام.


وتضم حركة التمرد حالياً عدداً كبيراً من المنظمات ذات الخلفيات الأيديولوجية المتنوعة. وقد أصبح المتمردون أنفسهم أكثر اقداماً ونجاحاً، مستمرين بتأييد واسع من كل من المجتمعين الحضري والريفي.


وقال توبي دوج، المختص بالشأن العراقي في جامعة الملكة ماري في لندن "يجب ان نكف عن الادعاء انها (حركة التمرد) موجهة بعثياً، وخاضعة للتأثير الأجنبي. فقد تجاوزت الحركة مرحلة الولادة برعاية البعث، وهي اليوم تشكل تمرداً محلياً مشتتاً جمع سوية بروابط داخلية."


ومع ان البعثيين ما يزالون في قلب التمرد، إلا انه يوجد الآن عنصر اسلامي وطني بارز يختلط مع حكام العراق السابقين. والتحق بهم مقاتلون شباب جاءوا من مختلف العشائر العربية السنية، وكذلك المتطرفون الاسلاميون المحليون والأجانب، والعصابات الاجرامية، اضافة الى العراقيين المحبطين ـ أي المواطنين العاديين، وقد يكون هذا الأمر هو أكثر ما يقلق الأمريكان.


وكان زكي شهاب، صحفي من جريدة الحياة اللندنية ومن مؤسسة الاعلام اللبنانية، قد ظل داخل المقاومة، حيث اكتشف ان الغضب العام تجاه الأمريكان يؤدي الى تشكيل تحالف ما بين تجمعات يائسة من حركة التمرد.


والتقى زكي مع الموالين لصدام حسين في تكريت، لكنه التقى أيضاً بالمقاتلين في الرمادي الذين قطعوا الروابط البعثية وحملوا الدكتاتور بالدرجة الأولى مسؤولية جلب الأمريكان الى العراق. وتحدث في الموصل والفلوجة مع مجموعات مرتبطة بالمنظمات الاسلامية مثل الاخوان المسلمين.


ويقول المحللون ومن بينهم توري منثي، رئيس برنامج الشرق الأوسط وأفرقيا في معهد الخدمات الملكية المتحد، وهي مؤسسة تحليل مقرها في لندن، ان البحث المضني عن "عقل مدبر" هو تعبير عن سوء فهم للطبيعة السائبة لتركيبات التمرد المستندة على الأهداف العامة بدلاً من التنظيم.


ان المتمردين متوحدون حول هدف وحيد هو: التخلص من قوات التحالف.


وكتب أحمد هاشم، استاذ الدراسات الستراتيجية في مركز الدراسات العسكرية البحرية في رود آيلاند، في مجلة (بوسطن ريفيو) في أواخر/ 2004 "ان التمرد لا يشكل حركة موحدة تحت قيادة ذات رؤية أيديولوجية واحدة. ان التركيز على الرغبة في التحرر من الاحتلال الأجنبي كانت كافية لكسب التأييد الشعبي. وبسبب رغبة هذه الجماعات بتجنب صراع أخوي فيما بينها، فقد أخذت تتعاون وتنسق الهجمات على المستويين العملياتي والتكتيكي على الرغم من وجود الاختلافات العميقة. وكما وصفها أحد قادة التمرد بقوله "نريد أولاً وقبل كل شيء آخر ان نطرد الغزاة الكفرة."


قوة المسلحين المتنامية


ويصر سامي زبيدة، خبير الشؤون العراقية واستاذ السياسة والاجتماع في جامعة (بيركبيك) في لندن، على ان المسلحين لا يملكون أي برنامج سياسي. ويسميهم (العدميين) الذين يحاولون بكل بساطة ان يوقفوا عجلة الاقتصاد عن الدوران.


وقال سامي "اذا ما غادر الأمريكان، فسيصبح لدى المتمردين نوعاً من الرؤية عن كونهم قادرين على فرض سيطرتهم مرة أخرى سواء بقوة السلاح او بأي شيء آخر. وهذا بوضوح هو كل ما في الأمر. كل ما يريدونه هو الحيلولة دون عودة الأشياء الى طبيعتها."


وكانت المقابلة التي أجراها أحد مندوبي معهد صحافة الحرب والسلام في تموز/ 2004 مع مسلح ينتمي الى جماعة تطلق على نفسها "المقاومة العراقية" تدعم ما ذهب اليه سامي زبيدة.


وفي تلك المقابلة قال قائد المتمردين، وهو ضابط مخابرات سابق كان قد نقل الى قوة "فدائيي صدام" قبل الحرب ، "اذا لم نأخذ السلطة في العراق، فلن نسمح لأي أحد غيرنا بذلك."


وقد جرت المقابلة في موقع خارج بغداد لم يستطع الصحفي تشخيصه لأنه اقتيد الى هناك معصوب العينين.


ومما يقلق الأمريكان هو ان الهجمات قد أخذت تزداد تعقيداً وتنسيقاً، ويبدو ان وراءها شبكات قوية تعمل على تجنيد مقاتلين جدد، وتحصل على الأسلحة والأموال عبر سلسلة طويلة من الناس والأعمال.


وقد أدى هجوم أواخر كانون الأول على قاعدة للجيش الأمريكي في الموصل الى قتل (19) جندياً أمريكياً، وأشر بداية مرحلة شديدة من العنف تستمر حتى الانتخابات. ان الأمريكان الذين قتلوا في هذه الحادثة ـ التي جرى التخطيط لها بشكل جيد واستندت الى معلومات استخباراتية دقيقة ـ كانوا أكثر مما قتل في أية حادثة أخرى وقعت في العراق منذ بدء الحملة حتى الآن.


ومنذ ذلك الحين، أصبحت التفجيرات والقتل حدثاً يومياً، وقد وصل معدل عدد الهجمات في أنحاء البلاد حالياً الى (80) هجوماً كل يوم، على وفق التقارير الاعلامية.


ان قتل ممثلي أكبر رجل دين شيعي، آية الله العظمى علي السيستاني، مع الملاحظات، مثل تلك التي وردت في بيان يوم 23/ كانون الثاني لقائد المسلحين الأردني ـ المولد ابو مصعب الزرقاوي، قد أثارت المخاوف من أن المتمردين يحاولون اثلرة الصراع بين الطائفتين السنية والشيعية.


وقال دوج "ان المقاتلين يتحسنون بشكل كبير جداً واذا ما قست فعاليتهم برسم بياني، فان الخط سيصعد بشدة الى الأعلى. واذا ما تعلم الانسان شيئاً، فان التمرد يبطل مفعول المعرفة الجديدة بفعالية."


القلب البعثي


مع ان التمرد قد تجاوز جذوره البعثية، فان الأغلبية تتفق على ان أتباع الحزب السابقين ما يزالون يشكلون القوة الدافعة داخل التمرد. لديهم ثروة كبيرة تحت تصرفهم بعد ان داهموا المصارف قبل وصول الأمريكان، وكميات كبيرة من الأسلحة والمصادر الأخرى، والتي دخل الكثير منها الى العراق عبر حدود البلاد الطويلة الوعرة. وبوجود (150) ألف جندي أمريكي فقط على الأرض، فان أمثال الزرقاوي وغيره من نشطاء القاعدة لن يجدوا صعوبة كبيرة في التسلل الى العراق والتجول في داخله كما يشاؤون.


وكانت قوات التحالف آنذاك مشغولة جداً بالعثور على أسلحة الدمار الشامل، وحماية حقول ومصافي نفط العراق، مما أدى الى ترك مخازن الأسلحة التقليدية دون حماية. وخلال النهب الذي تلا سقوط بغداد، فان كميات كبيرة من العبوات الناسفة وقذائف الهاون والألغام قد وجدت طريقها الى أيدي المتمردين.


وكان البعثيون مهيئين بشكل فريد للدور الجديد كضوء مرشد في حركة التمرد، مع الممارسات الوحشية لرجال أمن صدام والكميات الضخمة من المعلومات الاستخباراتية الأساسية التي ظلت بحوزتهم.


وقال مصدر عراقي لمندوب معهد صحافة الحرب والسلام "لقد مارس البعثيون القتل وقطع الرؤوس عندما كانوا في السلطة. لقد تدربوا على تلك الأعمال، وهم يعرفون كل شيء عن العراق ويملكون الأموال والأسلحة."


وقد اعتقد ان المعلومات الاستخباراتية الميدانية لدى رجال الأمن البعثيين السابقين، تقدم الى الجماعات الاسلامية المتطرفة وغيرها التي تقدم القوة البشرية لشن بعض الهجمات.


وفي مقابلة جرت مؤخراً مع صحيفة "هولاتي" في السليمانية، يدعي صلاح المختار، احد البعثيين البارزين ان حزبه يقوم حالياً بقيادة أعظم وأعمق وأكثر الثورات المسلحة تطوراً ضد الاستعمار في تاريخ الانسانية كله." ويقول ان محاولات الولايات المتحدة لسحق الحزب من خلال عملية "اجتثاث البعث" لم تكن ناجحة، ووصف الحزب بانه أفضل وأقوى وأكثر تجذراً مما كان عليه قبل الغزو، مضيفاً ان الناس يجهلون قادته الجدد.


ويتفق معظم المحللين على ان أسلوب تطبيق (اجتثاث البعث) كان مساهمة رئيسة في تفشي الفوضى الحالية والسخط السني على أمريكا.


وعلى وفق خطة تهدف الى اخراج أولئك المسؤولين عن تجاوزات نظام صدام من المراكز الحكومية، فان "سلطة التحالف المؤقتة" جعلت حزب البعث خارجا عن القانون، وحلت الجيش، وهكذا أصبح أكثر من (350) ألف جندي سابق وعدة مئات من الموظفين المدنيين بلا عمل. مما ساهم في تعميق مشكلة البطالة التي تعاني منها البلاد أصلاً.


وكانت الجراح عميقة، وبعيدة عن علاج النخبة السياسية السابقة في البلاد، مخلفة الانطباع ان (اجتثاث البعث) كان مطاردة استهدفت أعضاء الحزب العاديين الذين انضموا اليه فقط من أجل الحصول على الوظائف العامة، وقد أثار هذا غضب السنة وأبعدهم، وثبت انه أضاع فرصة كانت أمام التحالف الذي حظي في البداية بتقبل جيد من قطاعات من الطائفة كانت تعاني ابان حكم صدام الذي كان عادة يفضل أبناء عشيرته والحلفاء الاقليميين على الآخرين.


وفي محاولة لاصلاح بعض الضرر وتطييب الخواطر، قررت "سلطة التحالف المؤقتة" في ربيع عام/ 2004 السماح لبعض أعضاء حزب البعث بالعودة الى الجيش، والى الوظائف الحكومية. لكن "اعادة تأهيل البعث"، قد استقبلت بغضب أيضاً، فقد احتج الضحايا السابقون لاضطهاد البعث. وذكر ان أحمد الجلبي، رئيس حزب المؤتمر الوطني العراقي قد قال ان دعوة أعضاء حزب البعث السابق الى الحظيرة هو "مثل السماح للنازيين بالعودة الى الحكومة الألمانية بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة."


استياء أوسع


في غضون ذلك، استمرت الأساليب الأمريكية القاسية داخل "المثلث السني" مثيرة مقارنات سلبية مع الممارسات الاسرائيلية في الأراضي المحتلة ـ وهذه كارثة عاطفية وعقلية.ان صور الانتهاكات الأمريكية في سجن أبو غريب، والقتلى المدنيين في المواقع السنية الملتهبة مثل الفلوجة، واللامبالاة الأمريكية الواضحة بالتقاليد الدينية للعراقيين، قد عززت صفوف المتمردين.


ومع ان النفور من الأمريكان هو النظرية السائدة، فان الجميع يتفق على ان المتمردين يقاتلون أيضاً من أجل سبب أكثر عملية ـ وهو منع حكومة شيعية منتخبة من الرد على ما تعرض له الشيعة من اضطهاد سابقاً.


لقد تشكلت النخبة العراقية السياسية والاجتماعية من العرب السنة منذ أيام الامبراطورية العثمانية. وقد سيطرت الطائفة السنية ابان عهد صدام، وهو سني من تكريت، سياسياً وعسكرياً، واستأئر أبناؤها بأفضل الوظائف، ملتحقين بأفضل المدارس، وجمعوا الثروة، بينما كان الأكراد والعرب الشيعة بأسوأ حال.


ومع ذلك، فان الشيعة الذين يشكلون حوالي 60% من السكان مقارنة بالسنة ونسبتهم (15-20%) سيكونون، على وفق النظام الانتخابي الجديد للتمثيل النسبي، مسؤولين للمرة الأولى.


وقالت فيب مار، الزميل الأقدم في المعهد الأمريكي للسلام ومؤلفة كتاب "التاريخ الحديث للعراق" "لا يمكن للسنة ان يتوقعوا حكم العراق، ولن يكونوا في المناصب العليا. ان هذه الخسارة الكبيرة في الاعتبار والنفوذ هي التي تكمن في قلب ما يحدث الآن، وما يؤكد هذه الخسارة كلها هو الشعور بانه لن يكون لهم موقع السلطة في العراق الجديد".


ماذا يجب على التحالف ان يفعله؟


ان تأييد الحرب يتراجع سريعاً في الولايات المتحدة، وقد أظهرت الاستطلاعات الأخيرة ان 56% من الأمريكان يعتقدون حالياً ان ثمن الحرب أكثر من مكاسبها، بينما لا يوافق 60% منهم على الطريقة التي تدير بها أمريكا الوضع في العراق.


ويشير المحللون الى ان الصراع في فيتنام قد تطلب سنوات قبل ان يصبح غير مقبول شعبياً، ومما يثير قلقهم هو عدم امتلاك الولايات المتحدة لأية فكرة حقيقية عن كيفية حل مشاكلها في العراق ـ لأنها من جانب، ما تزال غير راغبة في إعادة النظر بالدافع الأصلي لخوض الحرب وأن تتقبل ان من الخطأ ان تتوقع من العالم ان يحييها كمحررة.


وقال محلل أمريكي طلب عدم ذكر اسمه "لقد سمعت ايجازاً من رامسفيلد ورئيس أركان الجيش، ولكني، حقيقة، لا أعتقد ان لديهما أية خطة."


ان ادارة بوش، وبسبب نظرتها الى العراق كجزء من حربها الأوسع ضد الارهاب، فان فكرة التفاوض الفعلي، في الأقل، مع بعض المتمردين قد ثبت حتى الآن انها صعبة.


عندما انسحبت قوات المارينز الأمريكية من الفلوجة في نيسان الماضي، قامت باحالة المسؤولية عن الأمن الى مجموعة من الضباط العراقيين السابقين، وشكلت ما سمته "لواء الفلوجة"، ولكن التحالف اضطر بعد فترة قصيرة الى حل اللواء الذي لم يفشل فقط في محاربة المسلحين، بل انه ساعدهم بفعالية وسلمهم السلاح والسيارات وأجهزة الاتصال، حتى ان البعض منهم شارك في الهجمات على القوات الأمريكية.


لذلك، اذا ما كانت المفاوضات مفعمة بالمشاكل، واذا لم يكن، كما يقول دوج، للتمرد أي "حل عسكري"، اذن ماذا يجب على الأمريكان ان يفعلوه؟


يقول المراقبون العراقيون ان الخطوة الهامة الأولى تكون في مخاطبة هموم الطائفة السنية الأوسع التي تقدم حالياً للمتمردين قاعدة مساندة عامة، وتسمح لهم بالتحرك بحرية حول تجمعاتهم السكانية.


وقد كتب فريق الأزمة الدولي في تقريره لشهر كانون الأول/ 2004 يقول "ان الخوف الذي شعر به المتمردون مرة قد أخذ يتلاشى تدرجياً. انهم ينشطون الآن يسهولة بين سكان متعاطفين او متساهلين."


ويقول المحللون انه كان من المتوقع ان يصدر العنف من البعثيين المتشددين والاسلاميين، لكن الاحباط الذي دفع بعض العراقيين العاديين لحمل السلاح قد ساهم بتعقيد المشكلة كثيراً. وقال أحمد هاشم في مقال له نشر في (البوسطن ريفيو) ان النوايا الحسنة للطبقة المتوسطة في العراق، والتي كان من الممكن ان تكون ذخراً لا يقدر بثمن للتحالف، قد ضاعت عندما فشل الأمريكان بحماية هذه الفئة من المجتمع، بعد فقدان القانون والنظام وانتشار الفوضى الاقتصادية التي رافقت الغزو".


وكما قال أحد أبناء السنة لأحمد "لو طور الأمريكان خدماتنا العامة عندما جاءوا، ووفروا فرص العمل لأبناء شعبنا، ونقلوا لنا التكنولوجيا، لما أصبحنا محبطين هكذا. لكن من غير المقبول لنا كبشر ان أمريكا ما تزال، بعد سنة، غير قادرة على توفير الكهرباء لنا."


ان كسب تأييد السكان العام يمكن ان يثبت انه ستراتيجية أكثر فعالية في مكافحة الارهاب من مقاتلة مجموعات مسلحة من الأشباح.


وكما لاحظ هاشم بقوله "من أجل منع التمرد من تجاوز حدود المحلية، فان مركز الجاذبية يكمن دون شك بالشعب ـ أي المواطنون العراقيون العاديون الذين يتوقون الآن الى الأمن والقانون والنظام، ثم الى النشاط الاقتصادي."


استهداف مجموعات سنية أخرى


ان السنة ، بما فيهم المثقفين ورجال الأعمال الذين قد تختلف مصالحهم عن مصالح المتمردين المتشددين، يشكلون فئات هامة قابلة للتفاهم.


وتوضح مار، من المعهد الأمريكي للسلام ان النخبة السنية الحضرية، المثقفة، تشكل مجموعة من المهنيين كثيري السفر، مما يجعل من السهولة ادماجها في العراق الجديد ما داموا يفتقرون الى مشاعر حقيقية بالانتماء العشائري، على عكس أبناء طائفتهم الريفيين. ويمكن للأمريكان ان يستغلوا أيضاً الانقسام التاريخي الموجود بين السنة أنفسهم.


ويقول زبيدة من جامعة (بيكبيك) ان العودة الى ايام الامبراطورية العثمانية، تظهر لنا ان طائفتين سنيتين منفصلتين قد تعايشتا في العراق، دون انسجام دائم. وكانت الطائفة الأولى تضم العوائل الحاكمة بينما ضمت الآخرى سكان "المثلث السني".


ويقول زبيدة، لقد كانت المجموعة الأخيرة بشكل عام، وحتى عقدي الخمسينات والستينات من القرن الماضي، تتألف من الفلاحين الفقراء الذين يعيشون في أكثر مناطق البلاد تخلفاً، حيث كانت نسبة الأمية المتفشية هناك عالية، وكانت صلاتهم مع الحكام في بغداد والموصل ضعيفة. إلا ان قوتهم نمت عندما أصبحوا المصدر الرئيس الذي يغذي القوات الأمنية بالرجال، ومن ثم تغذية نظام البعث بشكل عام.


وقال زبيدة "لقد كان سكان المثلث السني المصدر الرئيس للتجنيد داخل الجيش، ودخل الكثير منهم الى الكلية العسكرية، وتخرجوا ضباطاً. وكان هذا في واقع الأمر مصدر قوتهم، إلا انهم لم يدخلوا في مواجهة مباشرة عيناً بعين مع السنة القدماء الذين يكنون لهم الغيظ.


ويعتقد ان الاسلوب العسكري الحالي لحل مشكلة التمرد ليس صالحاً، ومثل معظم المختصين العراقيين الذين قابلهم مندوب معهد صحافة الحرب والسلام يقترح ان اسلوباًُ أكثر سياسية ـ مثل تشكيل تحالفات مع أية جهة مستعدة للحوار ـ سيكون أكثر نجاحاً عند التعامل مع جميع السكان والمتمردين.


وقال "هناك جهة قوية واحدة تتجسد بغالبية السكان في أي مكان. وبقدر ما يكرهون الأمريكان والشيعة، يريدون بالقدر نفسه حياة هادئة، يريدون أعمالاً وانشاء عوائل، وهذا يشكل دافعاً قوياً، اذ سيكون ثمة الكثير من الناس الذين يرغبون قي عقد صفقات من أجل ان ينعموا بحياة هادئة. وهذا ما يجب على الأمريكان ان يلعبوا به."


الارتباط السياسي


مع ذلك، فان هناك حواجز ما كان يجب ان تنشأ على طريق الدخول في علاقة مع الطائفة السنية باتباع الحوار السلمي والاحتواء النهائي داخل العملية السياسية العامة.


وفي هذا الصدد لابد من الاشارة الى أن السنة بشكل عام يفتقرون الى التنوع في اقامة الأحزاب السياسية كالتي يتمتع بها كل من الأكراد والشيعة، مما يوجد مشكلة لأولئك الذين يتركون العنف والارهاب ليتحولوا الى الانتخابات.


ام الحزب الاسلامي العراقي، وهو تجمع سني له ارتباطات مع حركة الأخوان المسلمين الأوسع في الشرق الأوسط، انسحب من الحكومة المؤقتة ومن المشاركة في الانتخابات. إلا انه وفي أشارة على انه لا يبتعد نهائياً عن التعاطي أكثر مع العملية السياسية، فان أحد أعضاء المجلس الحاكم فيه، عمار وجيه، قد نقلت عنه صحيفة الحياة اللندنية في عددها ليوم 14/ كانون الثاني قوله ان حزبه لا يمنع أعضاءه كأفراد من التصويت، وهم أحرار في ان يختاروا أية قائمة او حزب يريدون.


أما هيئة علماء المسلمين السنية المؤثرة فقد دعت الى مقاطعة شاملة للانتخابات ما دامت القوات الأجنبية باقية في العراق.


وثمة خيارات أخرى أيضاً أمام السنة الذين يخنارون التصويت.


ومع ان الائتلاف العراقي الموحد القوي يوصف عادة بانه كيان شيعي ويضم الأحزاب الشيعية الرئيسة مثل: المجلس الأعلى للثورة الاسلامية في العراق، وحزب الدعوة والمؤتمر الوطني العراقي، فهو في الحقيقة ليس ذا تركيبة واحدة، فقد احتضن بعض السنة أيضاً ومن أبرزهم الشيخ محسن عجيل الياور، الشيخ الأعلى لعشيرة شمر ـ أكبر عشائر العراق.


وظل السياسيون الشيعة لا يألون جهداً في التأكيد على ان العملية السياسية بعد الانتخابات لابد ان تكون مفتوحة، وان الائتلاف العراقي الموحد سوف لن يستغل نجاحه المرجح في صناديق الاقتراع لابعاد المناطق الأخرى من البلاد.


ان ابن أخ الشيخ محسن، الرئيس العراقي غازي الياور، يقود كياناً منافساً يسمى (العراقيون) بدعم من عدة عشائر وأحزاب سياسية صغيرة. ومثل قوائم المرشحين الآخرين، فقد بذل مرشحو قائمة (العراقيون) محاولة واعية لتجاوز الانقسام العرقي والديني، وكان عضو الحزب الاسلامي حاجم الحسيني قد قرر عدم الاستقالة من منصبه كوزير للصناعة عندما انسحب الحزب من الحكومة المؤقتة في كانون الأول، ثم انضم لاحقاً الى قائمة (العراقيون).


هل التقسيم خيار؟


قد لا يتفق الجميع على ان بالامكان ابقاء العراق موحدا.ً ويجادل بعض المحللين والمراقبين بان الطريق الوحيد للخروج من مأزق العنف الحالي، والحل طويل ـ الأمد للسخط السني يكمن في تقسيم البلاد بين المجموعات الرئيسة الثلاث ـ دولة جنوبية كبيرة للشيعة، وشمال بحكم ذاتي للأكراد، مع الوسط يترك للعرب السنة.


وفي هذا الصدد يقول مصدر أمريكي طلب عدم ذكر اسمه انه بدلاً من محاولات صنع السلام والتخطيط للانتخابات، فان على أمريكا ان "تتصرف كراعية لتقسيم العراق. وهذا الأمر سيكون صعباً، لكنه أفضل بكثير من نشوب حرب أهلية عنيفة مصحوبة بتطهير عرقي."


مع ان هذا الخيار لايكاد يذكر بين العراقيين من غير الأكراد، فانه يجد بعض الأنصار بين بعض المحللين الأجانب، بما في ذلك لورين تومبسون، المسؤول الرئيس للعمليات في "معهد ليكسنغتون": مؤسسة تحليل مقرها في فرجينيا. يصر تومبسون على ان البريطانيين قد أوجدوا دولة غير قابلة للعمل، وذلك عندما صمموا العراق بعد الحرب العالمية الأولى، راسمين حدوداً اعتباطية أجبرت جماعات متنوعة عرقياً وطائفياً على التعايش داخل البلد نفسه. وأشار ان البريطانيين وخلال بضعة سنوات واجهوا، كما يواجه الأمريكان حالياً، تمرداً جرى قمعه بالقوة. وتميزت الحملة البريطانية للانتخابات عام 1922 بنداءات لها لكي تخرج من "بلاد الرافدين، وسط مقالات افتتاحية للصحف عن الثمن الجسيم للالتزامات هناك."


ويقول تومبسون ان معظم تاريخ البلاد منذ ذلك الحين، كان "اضطهاداً متواصلاً لدكتاتور بعد آخر، يحكمون على أساس الروابط العشائرية والعرقية والدينية."


ويتساءل تومبسون "هل يعني هذا ان شعب العراق لا يمكنه ممارسة الديمقراطية؟" ويجيب بنفسه "كلا، لا يمكنه. ان التوازن المتقارب للكيانات العرقية والدينية يقدم أساساً قوياً لمجتمع سياسي، لكن كل واحدة من الكيانات العرقية الرئيسة ستظل بحاجة الى حكومة خاصة بها، بدلاً من محاولة التعايش تحت ظل حكومة تتوافق مع أعدائها التاريخيين."


وبطبيعة الحال، فان تقسيم العراق فعلياً ليس بالمهمة اليسيرة ـ ان لم تكن مستحيلة، فالعراق ليس البلقان، وسكانه من السنة والشيعة ليسوا منفصلين عن بعضهم جغرافياً كما قد يتصور البعض. مع ان الشيعة يشكلون الغالبية في الجنوب والسنة في المثلث الوسطي، فان معظم المدن الكبيرة مختلطة عرقياً ـ وبغداد أكثر من الجميع. وينتشر كذلك الزواج المختلط بشكل واسع لاسيما بين المثقفين العراقيين.


وثمة مشكلة محتملة أخرى تتجسد برد فعل جيران العراق من العرب والأتراك والايرانيين ازاء أي اعادة لرسم الحدود.


الخطوات التالية للعملية السياسية


في الوقت الحاضر، فان أبعد ما يمكن ان يراه معظم الناس أمامهم هو تشكيل مجلس وطني مؤقت لكتابة الدستور وعقد انتخابات جديدة لانتخاب برلمان وحكومة متكاملين.


مع ان معظم الناس الذين التقاهم مندوب معهد صحافة الحرب والسلام قد وافقوا على وجوب عقد الانتخابات، فان التوقيت في الثلاثين من كانون الثاني كان موضع نقاش. مع البعض يقول بضرورة التأجيل حتى يمكن اقتاع المزيد من السنة بالمشاركة فيها. حتى رئيس الوزراء أياد علاوي اعترف مؤخراً ان بعض "الجيوب" في المناطق السنية للعراق لن تشارك.


مع ذلك، فان توري منثي، رئيس برنامج الشرق الأوسط وأفريقيا في المعهد الملكي البريطاني المتحد، يعتقد ان الانتخابات يجب ان تعقد في موعدها المقرر. وقال "دع الانتخابات تجري، ثم بعد ذلك اعمل على كيفية احتواء السنة. ويمكن اجراء المزيد من الانتخابات لاحقاً اذا ما تطلب الأمر. ان العراق الآن بحاجة الى حكومة شرعية."


ان الحكومة المؤقتة الحالية لم تكن فعالة كما كان يأمل الكثيرون، لأنها كانت غير قادرة على ان توجد لنفسها كياناً منفصلاً عن الأمريكان الذين تبنوها.


وفي تقريره الأخير عن العراق، حذر فريق الأزمة الدولي من ان الانتخابات ليست هي العصا السحرية، وان الحكومة الجديدة سوف تفشل في توحيد العراق مالم تنظر الى العملية كانسلاخ أساسي عن ما حدث في الماضي وليس مجرد استمرار له.


وقال التقرير "ان الانتخابات الوطنية لن تغير الكثير ما لم تبنى مؤسسات يمكنها معالجة الحاجات الأساسية وتبرهن على استقلاليتها، بابعاد نفسها عن أمريكا. وتتقرب الى جميع العناصر السياسية. ان المطلوب هو تحقيق انفصال مزدوج: انسحاب أمريكي سياسي وعسكري تدرجي من العراق، وليس بأقل أهمية، فك ارتباط سياسي عراقي واضح عن الولايات المتحدة."


ومهما يكن ما سيحدث في يوم الانتخابات، فان عنصراً جوهرياً للعملية السياسة يجب ان يحتوي ويدخل الطائفة السنية. وعلى الرغم من العنف المستمر، ما تزال ثمة طرق لاشراك العديد من أبناء السنة، وامتصاص عدم الرضا الذي يساعد على تغذية التمرد.


*ليزا كليفورد ـ صحفية في لندن ومساهمة في معهد صحافة الحرب والسلام