Institute for War and Peace Reporting | Giving Voice, Driving Change

تعليق: قرن من الوهم العربي

العراق هو صورة مثالية لنسخة فاسدة من القومية العربية، ولكن المثقفون العرب هم من اوجدوها وبعد ذلك حرضوا عليها، هل سيغيرون موقفهم أبداً؟
By Ali A.

في مكان ما في سنوات 1920، أخذ الفكر القومي العربي منعطفا خاطئا وتشكل ذلك من خلال بداية تطور نغمات عنصرية بحته، قيم مهيمنة، ووجهات نظر محصورة وغير متسامحة حول السياسة والمجتمع. حتى ذلك الحين كان بمثابة مفهوم اصلاحي وحتى ليبرالي حليف للإسلام المعتدل، مندمج بشكل جيد في الخارطة الاجتماعية – الثقافية للشرق الاوسط.


تشكيل هذا المنعطف الانتحاري كان على يد ساطئ الحصري وهو مثقف عثماني معروف بالافراط في تهندمه، صعوبة إرضاءه، بلغته العربية المكسّرة وفلسفته المستعارة من " المثالية الالمانية " وفلسفة بيرجسون. طبّق نظرياته و فرضها على جيل كامل من العراقيين من خلال سيطرته على نظام التعليم وأيضاً من خلال تجنيده لمفكريين وسياسيين الذين استخدموا هذه الصورة المنيبة للقومية العربية كأداة للسيطرة على شعب متنوع الثقافات والأديان.


في سنوات 1950 أصبحت هذه التجربة المؤسفة في العراق المفهوم المتداول في أماكن أخرى في الشرق الأوسط، نظام تلو الآخر ترنّحوا وسقطوا أمام القوميون العرب بمفهوم الحصري.


ضمن القوة حولوا تحويلا جذرياً داخل الحركة القومية العربية وأرسو نموذج " للديمقراطية " العربية التي انتجت النظام الغير مأسوف عليه في جنوب اليمن والمدافعين عن الناصرية وتأويلاتهم، حزب البعث بمفهوميه العراقي والسوري. الأكراد والبربر أصبحوا عرب الجبال، الاسلام هوية شعبية، ولم يعد يكن هناك اقليات شعبية او دينية لتلخبط هذه الرؤيا النقية لأمة عربية غير مقسّمة لا تملك اي تعريف لمهة تاريخية.


حزب البعث العراقي والذي اعتلى قمة الثراء بواسطة النفط في سنوات السبعين من القرن الماضي عزز سياساته العنصرية الشرسة وسياسات الفصل بأخذ هذه النظريات المجردة كمرجعية له. كما كان الحال لقوة هذه الافكار بحيث لم يصدراي شئ عن القوميين العرب على مدى عقود من حكم حزب البعث عندما قام بعمليات التطهير العرقي لـ 500,000 من أكراد الفيلي في العراق وعندما تحولت الأغلبية الشيعية المشتبه بإنتمائهم للتراث القومي الى جنود لا يكترث لفقدانهم في حروب النظام المعتدية، وعندما تم تغيير مكان سكان الأكراد بالقوة وتم رشهم بالغاز وفرض الهوية العربية عليهم كل ذلك (تحت غطاء) وهم قاتل للأمة العربية وحماية بوابتها الشرقية من الغزاة الفارسيين.


اعتلى صدام حسين النظام بقوة السلاح، ولكن قام بخدمته جيش من المثقفين المتخاذلين الذين خانوا كل مبدأ لصناعتهم.


كتب نوعم تشومسكي مقالاً كلاسيكياً في سنوات 1960 وبخّ فيه المثقفين الامريكيين لتخاذلهم عن مسئولياتهم اتجاه الحرب الفيتنامية، فقط كنعان مكية من الطبقة المثقفة العربية (بجهوده الغير متناهية) تجرأ لمواجهة هذا التحدي في كتابة المثير: القسوة والصمت.


المثقفون العرب والذين دعموا بجبن بواسطة نظرياتهم وبررّوها لتخدم نظام البعث المجرم استمروا برؤية صدام حسين كبطل لقضيتهم على أسس شبح التضامن العربي، هم المسئولين بشكل مباشر عن المآسي التي أحلّت بالعراق وشعبه.


فضلات هذا التفكير ما زالت قائمة على الرغم من المصائب التي أحلّت بالشرق الأوسط كل شخص من هذا التراث الادبي و المشاريع السياسية والفلسفية لأغلبية هذا الحكم الغير موهوب الذي نشهده للمشهد الثقافي في المدن الناطقة بالعربية هو في حالة دمار.


لقد اصطدموا بالواقع التلف للفساد العربي الذي سبّب، بشكل اساسي، بواسطة أفكار مشوهة فرضها المدمرون على المجتمع العربي من خلال القوة العسكرية وبلطجية الشرطة السرية الذين ما زالوا يتمسكون بالنظام.


هذا الانهيار في العراق، اذا كانت المحطات الفضائية التي تحرض على هذا التفكير تكن لتشكل اي دليل، لن يكون لها اي تأثير جدّي على سياسات وتطبيقات هذه الانظمة، فلقد قوبل بالنفي وبإعادة تأكيد الاعتقادات القيمة. بعد ان امضت هذه الأنظمة قرابة جيلين وهم يتهمون الاسلام بالرجعية، الآن يحاولون التمسك به كحليف استراتيجي في جهودهم البالية لإنقاذ ما تبقى من بقايا مصداقيتهم السياسية.


الأنظمة العربية بقيادة سوريا، تزعق في أحذيتها، بعد سقوط البعثيين في العراق لأن ذلك حقيقة هو الفشل الذليل الأخير لنظام ايدلوجي أبطاله يترأسون، وهم مرحون، كارثة واحدة تلو الأخرى.


هل يغيّر النمر رقطة؟ أشك في ذلك على الرغم من ان ما يجب فعله واضح مثل الشمس: اصلاح اسس الدولة المتداعية، تبني سياسة اقتصادية متحررة، التخلّي عن ايدلوجية مستنفذه. تحليل الجهاز الأمني، تحليل القوة العسكرية، حريات ثقافية وسياسية، انفتاح وتسامح – حقيقة: تمكين كل شئ تم مقته على يد المفكرون القوميون. ولهذا السبب التحلّل من البعثية في العراق هو شيء في غاية الأهمية.


خصال العنف،العدائية والكره والتي ثابر حزب البعث على زراعتها، يجب ان يتم استئصالها من المجتمع ويجب على جروحها ان تشفى.


أسطورة ساطئ الحصري والتي تم تطبيقها على يد حزب البعث وصدام، هي التي اتت على دمار العراق، هي وحشية المجتمعات، هي فقر الأمم، سرقة وفساد متفشي، هي الفصل والتقسيمات القبلية، والآن هي الذليلة الجبانة – لقوة مفرطة أهدافها غير معروفة، ولكن أخذت شكل كره مفرط لهذه الانظمة.


أين سينتهي هذا؟ لا استطيع الحزم بشكل مؤكد، ولكن البعثية القومية العربية، الحقيقة، اي نظام فكري مستبد لا يستطيع الصمود في الشرق الأوسط.


هذه الانظمة تستحق ان تلقى في ساحة النفايات الأنظمة الفاشلة، و التخلص منها هو شئ جيد، على حد رأيي.


علي علاّّوي هو اقتصادي عراقي ومستثمر بنوك يقيم في لندن وهو نشيط في المعارضة العراقية.