Institute for War and Peace Reporting | Giving Voice, Driving Change

تعليق: صبي الحرب

أصبح الصبي الذي حلم أم يكون مقاتلاً كردياً، أصبح الآن رجلاً يسعى لوضع نهاية لحروب العراق المستمرة.
By IWPR

اعتاد جدي ان يروي لي بفخر كبير قصص الحرب التي شهدها في حياته.


وكنت كصبي أحسدة كرجل دافع ببطولة عن وطن كردستان ضد العثمانيين الجبابرة، ثم بعد ذلك ضد الانكليز الاقوياء.


وكان يكشف أمجاد حروبه، ويقول وهو يلوح ببندقيته (البرنو) "لقد تمكنت بهذه من قتل الكثير من العثمانيين والبريطانيين."


كنت أشعر بالذهول وأتمنى لو كنت مكانه.


ولكني شاهدت في حياتي القصيرة حتى الآن الكثيرَ من الحروب والتي لو كان جدي حياً لتمنى لو كان مكاني.


لقد باتت الحروب وعدم الاستقرار جزءاً وحزمة من حياة كل عراقي، ولكن يبدو ان الكرد ينالون دائماً النصيب الأوفر. ولم يكن علينا فقط ان نقاتل في حروب صدام نيابة عنه بل قاتلنا ضد جيشه الذي أراد ابادتنا، وحتى ضد بعضنا البعض.


حروب جدي كانت تبدو نبيلة، إلا ان حروبي، مع الأسف، تبدو عبثية، تخلف واءها حياة محطمة و قصصاً لا تبعث على الفخر.


وحتى تاريخنا الحالي بات يستند على العنف. فقد باتت الحروب المحلية او الخارجية هي التي تؤرخ للوقائع والأحداث الهامة في حياتنا، فلا نقول ان الوالد توفي عام 1987, بل نقول قبيل نهاية الحرب الايرانية ـ العراقية. ونتحدث عن ولادة طفل، فلا نقول انه ولد عام 1992، بل بعد حرب الكويت. ولا نقول ان الجامعة افتتحت عام 1997، بل نقول قرب نهاية النزاع الداخلي بين الحزبين الكورديين.


اعتقدت كصبي انني سأكبر لأصبح مثل جدي. واعنقدت انه بينما يتحول شعري أشيب ويتجعد جلدي، فاني سأظل أرتدي الشروال الكردي التقليدي وأطلق النار من بندقية جدي ضد أي واحد يقف ضدي.


وقد يصبح شعري أشيب وربما يشيخ جلدي وقد أظل أرتدي الشروال، لكن ليس لدي رغبة في العنف ولا رغبة في اطلاق النار على أي رجل. ولن أروي قصص حرب مجيدة لأطفالي.


أثناء حرب السنة الماضية، وبينما كانت العوائل تهرب مرة أخرى من مدن كردستان خوفاً من القصف النهائي لقوات صدام حسين، فقد لجأت الى ملجأ تحت الأرض.


جلست بالقرب من طفلة كانت قد رسمت طائرة ركاب وكتبت تحتها عبارة "انا أستطيع السفر". وكانت الطائرة تلقي بالقنابل. وسألتها كيف يمكن لطائرة ركاب ان تحمل قنابل. ولكنها سألتني بدورها "هل توجد أية طائرة لا ترمي القنابل؟"


الأطفال الكرد هم أطفال بالجسد وان أجسادهم الصغيرة تحمل هموم حياة بأكملها.


بعض الأطفال فقدوا آباءهم وأمهاتهم وأجبروا على أداء دور كاسب الرزق بغض النظر عن أعمارهم. بعضهم ولد في الحرب، في السراديب والملاجيء، حيث كان والداهما يرتجفون من الرعب، فيما ولد آخرون أثناء الفرار او في معسكرات اللاجئين الحقيرة في تركيا وايران، والبعض لا يعرف على وجه اليقين حتى مكان ولادته. انهم يعرفون فقط متى بدأت حرب ما وهم في أعمار تتراوح ما بين (6) أشهر وثلاث سنوات.


العديد منهم بلا شهادات ولادة حتى بعد سنوات من ولادتهم ـ حين عادت عوائلهم الى كردستان العراق وتمكنت من تسجيل تاريخ دخولهم الى هذا العالم.


التقيت مرة بولد يحمل بطاقة هوية عراقية كتب عليها بحروف حمراء "جيش القادسية". وكان جميع الأطفال الذين ولدوا عام 1990 قد أصدرت لهم بطاقات هوية تحيي غزو العراق للكويت. اما القادسية فهي معركة القرن السابع التاريخية بين حكام الفرس للعراق والعرب المسلمين. وقد سمى النظام الحرب الايرانية ـ العراقية للفترة (1980 ـ 1988) باسم القادسية الثانية في محاولة لتصوير الايرانيين ككفار مهزومين مثل أسلافهم.


وقال الولد الذي يحمل بطاقة الهوية بفخر "انا من جيش القادسية، لا أحد يمكنه الوقوف في وجهي".


لم يعد هناك جيش قادسية صدام وأصبح الولد الآن رجلاً وربما أكثر واقعية في ادعاءاته، وأرجو ان اكون قادراً على ان أزعم أمام أطفالي أنني ساعدت في اعادة اعمار وطني. وسأخبرهم كيف انني قاتلت بفخر من أجل الحقوق الكردية في عراق جديد, بقلمي.


*جمال بنجويني ـ السليمانية