Institute for War and Peace Reporting | Giving Voice, Driving Change

تضاؤل قطاع المنظمات غير الحكومية في العراق

توقف معظم المنظمات التي أنشأت بعد 2003 عن العمل بسبب نقص التمويل والدعم
By Samah Samad
Korsh Ararat, an ornithologist with the Italian-funded group Nature Iraq, which like many Iraqi NGOs is suffering the effects of dwindling funding. (Photo: Nature Iraq)

سماح صمد (تقرير الازمة العراقية رقم 352، 6 أيلول- سبتمبر 2010)

أضطر أكثر من 85 بالمئة من المنظمات غير الحكومية في العراق الى التوقف عن العمل في السنوات الاخيرة، الشيء الذي دعا قادة المجتمع المدني ان يحذروا من المصير المجهول الذي قد يواجه المنظمات الاخرى التي لازالت تقوم بنشاطاتها.

ويعتبر نقص التمويل السبب الرئيس وراء هذا الانخفاض الحاد، وذلك بحسب الخبراء في هذا المجال، الذين يعزون هذا التراجع في قطاع المنظمات الى الازمة المالية العالمية وارتفاع تكاليف العمل في العراق، وضعف الدعم الحكومي والمحلي لهذه المنظمات. فيما يشير الآخرون الى مشاكل مثل الفساد واعمال العنف وتراجع اهتمام المتبرعين والمانحيين الدوليين.

وبالرغم من ان الخبراء يقولون بأن المنظمات غير الحكومية العالمية قدمت اسهامات مهمة في مجال اعادة اعمار العراق منذ سقوط نظام صدام حسين عام 2003، فان تناقص المساهمات من قبل المتبرعين والحكومات الاجنبية قد قلص من جهودها في الآونة الاخيرة. وفي غضون ذلك، تشكو المنظمات غير الحكومية المحلية في العراق من صعوبة الحصول على تمويل محلي وغياب الدعم الحكومي. 

وتقول بروين محمد امين، وهي مسؤولة حكومية عراقية رفيعة تعنى بشؤون المنظمات غير الحكومية، بانه لم يتبق من المنظمات التي وصلت الى ذروة عددها الذي كان يقدر بحوالي 6.600 منظمة مسجلة في السنوات التي أعقبت الغزو الذي قادته الولايات المتحدة، إلا حوالي 500 منظمة فقط ما تزال تمارس عملها.

وتعمل المنظمات غير الحكومية في العراق في مجالات متعددة، ومن ضمنها قطاع الاسكان، والبيئة، والتطوير الاعلامي، والصحة، والزراعة، والتدريب المهني.

وباستثناء اقليم كردستان حيث ينشط أكثر من 1000 منظمة مجتمع مدني منذ تسعينيات القرن الماضي، فلم يكن هناك من وجود للمنظمات غير الحكومية في بقية أرجاء العراق حتى عام 2003.

 ويرأس ماجد عبدالحميد أبو كلل مركز ذر للتنمية في محافظة المثنى الواقعة في جنوب العراق، حيث تقدر وزارة التخطيط العراقية عدد السكان الذين يعيشون تحت خط الفقر هناك بحوالي 49 بالمئة.

ويقوم فريق أبو كلل بتعليم المهارات المهنية لمعظم العاطلين عن العمل في المحافظة، لكنه يقول بانه بدون الدعم الخارجي المتواصل، فان العديد من المنظمات غير الحكومية كمنظمته، سيضطر الى التوقف عن العمل.

ويقول أبو كلل، الذي يعمل في قطاع المنظمات غير الحكومية منذ العام 2005 " لا بد ان يكون هناك وقت كاف، واشخاص ودعم لوجستي لهذا النوع من الورشات والتدريبات التي نقوم بها. كل هذا يكلف أموالاً، ولا يمكننا القيام به بواسطة المتطوعين لوحدهم".

"نعمل ما بوسعنا لرفع المستوى الاقتصادي للناس في المثنى، لكن قلص نقص التمويل من خدماتنا بشكل كبير. واذا ما استمر الوضع هكذا فانه قد يؤدي الى تدمير كل ما حاولنا جاهدين ان نبنيه خلال السنوات الماضية".

وتعتبر الولايات المتحدة من أكبر المانحين في العراق، حيث استخدمت من خلال الوكالة الاميركية للتنمية الدولية وفرق اعادة الاعمار الاقليمية، نسبة هائلة من الاموال المخصصة لخطة اعادة الاعمار والبالغة 53 مليار دولار، لتمويل المنظمات غير الحكومية ومنظمات المجتمع المدني. وقد تعهدت الولايات المتحدة بمواصلة تقديم دعم هام بعد انسحاب القوات المقاتلة في آب الماضي.

وقد خفضت الحكومات والمنظمات الاجنبية الاخرى من انفاقها المخصص للتنمية في العراق، قائلة بان المشاكل الامنية وتفشي الفساد يعتبران من العوامل التي دفعتها الى ذلك. وقد صنفت منظمة الشفافية الدولية العام الماضي العراق في المرتبة الخامسة من بين الدول الاكثر فساداً في العالم.

ويقول عزام علوش، كبير الموظفين التنفيذين في منظمة "طبيعة العراق"، وهي منظمة غير حكومية ممولة من ايطاليا وتهتم بالبيئة " بدأ التمويل يتآكل تدريجياً خلال السنوات الثلاث الاخيرة، ومع ازدياد العنف في العراق الذي يوحي للمانحيين الدوليين بان العراق دولة غير مستقرة أمنياً و ان الاستثمار فيه قد يؤدي الى الخسارة".

"لذلك فانهم يبعثون أموالهم الى المناطق التي يعتقدون بانها ستجلب لهم فوائد دائمية". أضاف علوش.

ويؤكد مدير احدى منظمات غير الحكومية، والذي رفض ذكر اسمه خشية اغضاب الحكومة، بان التمويل من المصادر الدولية قد انخفض، بينما لا تتوفر مصادر التمويل المحلية حتى الآن.

ويقول " كان هناك ازدهار كبير للمنظمات غير الحكومية بعد الحرب مباشرة. وعندما استطاع الناس تشكيل هذه الجمعيات علناً، بدى وكأن كل فرد ومعه والدته يملكان منظمة غير حكومية خاصة بهما".

وواصل المصدر قائلاً " كان البعض منهم مجرد أناس يحاولون ايجاد طريقة لكسب المال، والبعض الآخر كان مهتماً بشكل صادق بتوفير الخدمات للناس. لكنني استطيع القول بان معظم المنظمات غير الحكومية تراجعت مع مرور الوقت، والسبب الرئيس في ذلك هو عدم مقدرتها في جمع الاموال. ولم تعرف المنظمات غير الحكومية المحلية حقيقة، كيفية صياغة مقترحات مناسبة للمموليين الدوليين، كما لم تكن لهذه المنظمات اشخاص او علاقات تشهد لها أو تكفلها".

ويقترح بعض المراقبين بان التمويل الحكومي هو بديل عملي بالنسبة لمنظمات المجتمع المدني، قائلين بان الدعم من الحكومة في بغداد سيسمح لها بان تكون مستقلة عن الاحزاب السياسية التي تدعم في الوقت الحاضر الكثير من المنظمات غير الحكومية.

وتدفع حكومة اقليم كردستان في شمال العراق مبالغ شهرية لعدد من المنظمات غير الحكومية، لكن المنتقدين يقولون ان الافضلية تعطى للمنظمات التي يديرها أعضاء في الاحزاب الكردية الحاكمة. وقد قللت السلطات الكردية من دعمها المالي للمنظمات غير الحكومية في الاشهر الاخيرة، ومع ذلك فانها تفكر في تقديم المنح المالية فقط للمنظمات التي تقدم طلباً من أجل تمويل جديد في السنة القادمة.

وتقول بروين أمين، ان على المنظمات ان تتحمل جزءا من المسؤولية عن مشاكلها الحالية. وأوضحت ان الرواتب العالية التي يستلمها موظفوا المنظمات غير الحكومية، والمشاريع المكلفة وقلة المتطوعين الذين يعملون بلا أجر، من بين الاسباب وراء تراجع عدد هذه المنظمات.

وللاستمرار في مجال عملها، كان على الكثير من المنظمات غير الحكومية ان تعدل من مقترحاتها باتجاه المناطق التي تتوفر فيها التمويل على الاغلب. وفي العديد من الحالات، فان هذا يعني التركيز على الجوانب الانسانية وبناء الديمقراطية لضمان موافقة واشنطن عليها.

ويرى علوش بان الامور قد تزداد سوءاً بدلاً من ان تصبح أفضل بالنسبة للمنظمات غير الحكومية في حال أصبح العراق أكثر أزدهاراً.

ويقول علوش "ان العراق الآن على وشك ان تزداد عائداته المالية من النفط، ومن المفترض ان يجعله ذلك بلداً غنياً" واضاف " ولذلك فمن المتوقع من هذه المنظمات ان تتمكن من جمع الاموال محلياً".

وينتاب القلق نشطاء أمثال كويستان محمد امين، مديرة منظمة غير حكومية خيرية تعنى بشؤون الايتام في كركوك، بانهم في حال اضطروا الى اغلاق منظمتهم لاسباب مالية، فان الكثير من المحتاجين العراقيين سيتركون في العراء بلا مأوى.

وتقول كويستان التي تعمل مع حوالي 5 آلاف أرملة ويتيم يعيشون حالة فقر جراء سنوات من العنف في كركوك، بان المنظمة التي تديرها تعيش فقط على تبرعات مواطنين من داخل العراق وخارجه. 

"انني أخاف من ان هذه المساعدات ستتوقف في المستقبل، وحينها سوف لن يكون بمقدروي الاعتناء بهؤلاء الايتام" أبلغت كويستان معهد صحافة الحرب والسلام. " قد يعودوا الى الشارع ثانية وينتهي المطاف بهم ان يصبحوا مشردين".

سماح صمد، الصحفية المتدربة في معهد صحافة الحرب والسلام من كركوك، ومساهمة جارلز مكديرمد، محرر الاخبار في المعهد فرع العراق من السليمانية.