Institute for War and Peace Reporting | Giving Voice, Driving Change

تدفق الزوار بركة مزدوجة

ارتفاع عدد زوار العتبات الشيعية المقدسة يجلب الموارد والاضطراب الأمني
By Abdul Amir

ظلت امكانية العراق في السياحة الدينية, لعقود مضت, غير مستثمرة بسبب قلق نظام صدام حسين السابق.


لقد وضع نظام صدام حسين تقييدات مشددة علىالزوار القادمين لزيارة العتبات الشيعية المقدسة في البلاد. وذلك لحرصه على منع أي اتصال بين شيعة العراق واخوتهم الشيعة من أي مكان آخر.


لكن هذا كله يتعرض للتغيير حالياً حيث فتح سقوط النظام الميدان واسعاً لتدفق الزوار مع الموارد المالية على العراقيين الذين يعيشون في المدن المقدسة او يعملون في ميدان الصناعة السياحية.


وعلى الرغم من ان العراق يحتوي على مواقع هامة للمسيحيين, اليهود, الصابئة والسنة, فان العدد الكبير للزوار حتى الآن هو للشيعة الذين يأتون لزيارة المدينتين المقدستين: كربلاء والنجف الأشرف, اضافة الى العتبات الأخرى في كل من بغداد وسامراء وأماكن أخرى غيرها.


وفي كربلاء تمتلئ الفنادق بمجموعات الزوار القادمين من ايران, الهند, لبنان والباكستان لتخليد ذكرى استشهاد الإمام الحسين (ع) في القرن السابع, وهو شخصية مركزية في الاسلام الشيعي.


ويختلط الزوار الأفغان مع الزوار القادمين من أواسط آسيا والعربية السعودية وغيرها من دول الخليج العربي وبلاد القفقاس.


ويقول الأهالي ان الغالبية العظمى من الزوار تأتي من ايران, ولذلك عادة ما تسمع اللغة الفارسية تتردد أكثر مما تسمع اللغة العربية في الساحة الرئيسة في كربلاء حيث تخيم عوائل الزوار الايرانييين وتملأ الشوارع والمتنزهات.


لكن هذا المشهد أفرز نتائج معاكسة. اذ ان كثافة الزوار الأجانب والذين يعتقد ان العديد منهم قد دخل البلاد بطرق غير مشروعة من خلال الحدود العراقية الطويلة التي لم تعد تخضع كلها للرقابة, قد أثارت القلق من الناحية الأمنية, لاسيما بعد تفجيرات الثاني من آذار التي قتلت أكثر من (180) شخصاً في كربلاء وبغداد.


وعن هذا الوضع تحدث مفوض الشرطة عبد الزهرة غالي حسون الى معهد صحافة الحرب والسلام قائلاً ان وجود هؤلاء الايرانيين يؤثر على الوضع الأمني, انهم يمكثون في المنطقة ما بين الضريحين طول الليل, كما ان العديد منهم مدمنون على المخدرات. لقد اعتقلت بعضاً منهم اثر الانفجارات, وكنت أشك في انهم قد يكونون متورطين في تلك التفجيرات. واعتقد ان تقليص عددهم قد يساعد في الحفاظ على الاستقرار في كربلاء".


وفي محاولة للتعامل مع هذا الوضع بعد وقوع التفجيرات, فقد علقت منشورات على جدران المساجد في كربلاء والنجف الأشرف, تروج للفتوى الدينية التي أصدرها كبير علماء الشيعة آية الله العظمى سيد علي الحسيني السيستاني موجهة الى "اخوتنا الايرانيين" تبلغهم ان "دخول الأراضي العراقية حرام دينياً دون المرور من خلال نقاط التفتيش".


وفي ضوء ذلك, يقارن العراقيون الوضع الأمني اليوم مع ما كان عليه في زمن صدام, عندما كان يتوجب على الزوار الأجانب دفع مبلغ قدره (300) دولار أمريكي عن كل واحد منهم للدخول الى البلاد, كما كانوا يجدون أنفسهم يخضعون لرقابة دائمية.


وقال حسين الحسيني, قائد قافلة للزوار الايرانيين "لقد كان رجال مخابرات النظام السابق يرافقوننا حتى الى داخل الحمامات. وكانوا يمنعوننا من التسوق بمفردنا". وأضاف "كانوا يحددون لنا حتى عدد الترب التي علينا شراؤها, مع انهم يحملونها رسوماً عالية". وهو يشير بذلك الى قطع الطين المفخور المدورة التي يستخدمها عادة العديد من الشيعة أثناء الصلاة لكونها من تراب كربلاء المقدسة الذي روي بدم الامام الحسين (ع).


أما صباح أنور الذي كان يعمل سابقاً في المخابرات العراقية, فهو يتذكر تفاصيل مراقبة الزوار فيقول "كنا نضع الايرانيين نحت رقابة مشددة ... وكان النظام السابق حريصاً على التأكد دائماً من عدم حصول أية اتصالات بين العراقيين والايرانيين. كنا نرافقهم منذ البداية الأولى لرحلتهم وحتى الخطوة الأخيرة في جدول الزيارة المعد لهم سلفاً. بينما الآن, فان الآلاف منهم يدخلون بحرية حتى دون جوزات سفر".


وعلى الرغم من القلق بشأن الوضع الأمني, فان تدفق الزوار قد وفر ايراداً مالياً للعراقيين الذين يعيشون بالقرب من العتبات. ولهذا السبب انتقل حسين علي من أهالي كربلاء من بيته في مركز المدينة, لكي يؤجر داراً بدلاً منه في أطراف المدينة وببدل ايجار منخفض قدره (20) دولاراً شهرياً. وقام علي بتأجير داره وسط المدينة ببدل شهري يزيد بمقدار (75) مرة على الايجار الذي يدفعه.


من جانب آخر قال سائق الشاحنة من أهالي بغداد رياض جبار الذي ينقل الزوار من الحدود "كنت معتاداً على البقاء دون عمل لأشهر عديدة, في حين لم يعد لدي الآن وقت حتى لرؤية عائلتي".


ويقول أصحاب الفنادق ان نظام صدام حسين قد عرقل عن قصد تطور البنية التحتية التي يمكن ان تستوعب السياحة الجماهيرية.


ويأمل العراقيون ان يساعد توفير المستلزمات الجديدة على ادارة شؤون هذا العدد الكبير من الزوار, اضافة الى تدفق المزيد من االايرادات.


وذكر حسن هاشم الذي يدير شركة الأقصى للسياحة في كربلاء "ما ان تتطور السياحة وتفتح المطارات حتى نصبح أغنى بلد في المنطقة".


أما قحطان العزاوي, رئيس اتحاد شركات السفر, فقد صرح في مؤتمر صحفي في 6/ آذار قائلاً ان السياحة يمكن ان تحقق للبلد ايراداً سنوياً يبلغ (5) مليار دولار, اذا ما نظمت بشكل مناسب.


وفي هذا الوقت, فقد تحولت قطع الأراضي السكنية الفارغة في كربلاء الى مشاريع بناء, حيث يقول المسؤولون في مجلس المدينة انهم وضعوا خططاً لبناء مطار دولي في مدينة خان النص الواقعة بين مدينتي كربلاء والنجف الأشرف المتجاورتين.


وعلى الرغم من ان مسؤولي السياحة في كربلاء يقولون انهم قد لاحظوا تسرباً قليلاً للضيوف بعد تفجيرات الثاني من آذار, فان الغالبية تعتقد ان الأعداد بدأت في الإرتفاع مرة أخرى.


ويقولون كذلك ان السياحة الدينية قد اتسعت بثبات على الرغم من مصاعب السفر في عراق ما بعد الحرب اضافة الى الانفجار الذي وقع في شهر آب/2003 الذي راح ضحيته أكثر من (80) شخصاً خارج ضريح الامام علي (ع) في النجف الأشرف.


وقال شعبان علي, رئيس شركة الرضا "لقد ازداد عدد الزوار الهنود على الرغم من الافتقار الى الأمن ووسائط النقل. انهم يحرصون على تأدية طقوس الزيارة مهما كانت الظروف".


أما الزائر الايراني أمير حسين كاظمي القادم من مدينة أصفهان الايرانية والذي وصل الى كربلاء قبل يوم من وقوع الانفجارات, فهو يقول انه قد قرر البقاء على الرغم من المخاطر. ويضيف قائلاً ان المجزرة التي سالت فيها الدماء, وحمل فيها القتلى على العربات, تذكره فعلاً بمعركة القرن السابع التي جاء الى هنا من أجل الاحتفال بذكراها.


وقال "انني استطيع الآن ان أشعر باستشهاد الامام الحسين (ع), واشعر بالرغبة في الالتحاق بقافلة الشهداء. لذلك سأبقى في الضريح ولن تخيفني الانفجارات أبداً".


*عبد الأمير الجبوري وعماد الشاري صحفيان متدربان في معهد صحافة الحرب والسلام ـ بغداد