Institute for War and Peace Reporting | Giving Voice, Driving Change

بغداد تستعد للحرب

بقلم: انتوني بوردن-بغداد- (تقرير ألازمة العراقية المرقم 1 في 28 شباط 2003 )
By Anthony Borden

يمتلأ السوق وسط المدينة بالسلع من كل الأنواع، فهناك الصابون السوري والأدوات الصينية والشاي العراقي.


قال احد الباعة الكثيرين المنتشرين على الأرصفة بان مبيعاته من الفوانيس قد ازدادت، فهو يبيع أكثر من 20 فانوسا في اليوم.


البناء منتشر، الطرق والبنايات الصغيرة تحت الترميم والأعمدة الكونكريتية للجامع الكبير ترتفع, لكن فرص العمل قليلة ويبدو أن العمل مجمد. مع ذلك يلاحظ هناك تبديل في خطوط الهاتف الضوئي على نهر دجلة، و هناك تمثال لصدام وهو يحمل بندقية لم ينته بعد حيث لا زال مغطى بقطعة قماش، فهل سيتم الانتهاء منهما قبل أن يكون هناك حاجة لأعمار اكبر؟


فرقة مسرحية تستعد لتقديم عرض كلكامش و فنان في قاعة محلية يضع لمساته الأخيرة لمعرضه التكعيبي الذي علقت لوحاته على الجدران. دور العرض السينمائي مزدحمة بالرواد حيث الإعلانات الملونة للأفلام الآسيوية مثل " صراع من اجل الحرية" تمتزج مع الإعلان للأفلام الغربية.


رغم أن الحياة تبدو طبيعية، فأنها أسبوعان فقط تفصل عن بدء الحرب.


قال أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد نظمي ناظم،" اعتاد الناس على ذلك منذ بداية الحرب العراقية الإيرانية وما تلا ذلك من ظروف قادت إلى أحداث عام 1990"


واضاف " ما زلنا نقوم بالتدريس و نجري الامتحانات, و أنا لازلت محافظا على برنامجي الاعتيادي" أضاف نظمي.


ينتشر الطلبة في ساحة الجامعة رغم حرارة الجو، يتجمعون في حلقات نقاش صغيرة إثناء الاستراحة بين المحاضرات شانهم في ذلك مثل بقية الطلبة في أي مكان آخر.


" هذا لا يعني عدم وجود خوف، الناس قلقون جدا، و يعتقد معظم العراقيين أن مصيرهم يسوقه القدر لهم و لا رأي لهم بذلك، و لهذا تجد أن هناك استسلاما روحيا للأحداث " يضيف الأستاذ.


و بحسب الإعلام العراقي المسيطر عليه من قبل الدولة، فان العالم بأجمعه – باستثناء بوش وبلير وإسرائيل – يساند العراق ويقف معه، وقامت وكالة الأنباء العراقية بضخ تقارير كثيرة حول العمل ضد الحرب، فحزب الخضر البلغاري يعارض الحرب، يقول احد التقارير. وألفان من الطلبة يتظاهرون في القاهرة بحسب تقرير آخر. جاك شيراك ورامزي كلارك والسياسيون الإنكليز مثل توني بن وجورج كالاوي يوصفون على أنهم أبطال.


هناك الكثير من" الدروع البشرية" ووفود أخرى كثيرة للتضامن مع العراق تزور المستشفيات التي ادعى العراق أنها تعاني من نقص في الأدوية. وأمام كاميرات التلفزيون الحكومي، ينظم الدروع مسيرات في المدينة، وبدل أن يقولوا شيئا عن حقوق الإنسان في العراق، فإنهم كانو يطالبون بمحاكمة بوش كمجرم حرب.


" كل ما تفعله أمريكا هو ضد النظام العالمي و ضد القانون الدولي وضد الديمقراطية وحقوق الإنسان" يقول الدكتور عبد الرزاق الهاشمي وهو وزير سابق ورئيس منظمة الصداقة والسلم والتضامن التي تهيئ السكن والطعام والعون اللوجستي للنا شطين. " العالم كله ضد هذه الحرب".


وسط الهتاف والتصفيق، بث التلفزيون خطابا للقائد العظيم وهو يشجع العراقيين على المقاومة واتخاذ الإجراءات الدفاعية. " يمكنكم بناء الملا جيء حتى في الساحات الخلفية لبيوتكم، حيث ستحميكم في حال وقوع الحرب لا قدر الله ".


ضباط عسكريون عينوا كمحافظين لبعض المحافظات, وإزاء سكوت الإعلام المحلي على ذلك, قام الإعلام العالمي ببث تقارير عن تحركات العسكريين العراقيين وعن ملء الخنادق بالنفط لعمل سحب من الدخان كإجراء دفاعي.


شكلت رسالة الإعلام الضمنية تعبئة ضد " العدوان الإمبريالي" الوشيك الوقوع. وتزامنت هجمات الجيش الإسرائيلي على الفلسطينيين في الضفة الغربية مع لقاء الرئيس مع كبار الضباط العراقيين واستذكار صور وذكريات من الحروب السابقة شمل احدها استخدام أمريكا لليورانيوم المنضب وجاءت تحت عنوان " سلاح الموت الأمريكي" الذي يقول العراقيون انه السبب في زيادة حالات اللوكيميا والتشوهات وبعض المشاكل الصحية الخطيرة بين الأطفال خاصة.


اعترضت الحكومة على قرار الأمم المتحدة 1441 الذي يشير إلى مواقع وجود الأسلحة والى الاتفاق على تدمير صواريخ الصمود 2 والى دعوة فريق من جنوب أفريقيا للمشاركة في ذلك.


المشكلة – بحسب بغداد - ليست في السلاح أو في حقوق الإنسان, بل في النفط وفي جعل البلد في خدمة المصالح الأمريكية المشتركة، حيث صيغت مقترحات أمريكية كثيرة حول الحكم العسكري وحول العلاقات المتينة بين بوش وديك تشيني وصناعة النفط الأمريكية. لقد سخرت البلدان التي كانت سابقا تحت الحماية الدولية أمثال كوسوفو والبوسنة وأفغانستان بمقالات طويلة حول التدخل الغربي المأساوي، مركزة على نماذج الأقاليم في تركيا والتدخلات الإيرانية.


" ستكون هذه الحرب مختلفة عن حرب 1991 إذا هوجم بيتك ستقاتل دفاعا عنه, وكل واحد سيدافع عن العراق ضد الغزو" قال احد موظفي وزارة الإعلام وهو يستعد لإبعاد عائلته عن المدينة ثم يعود بعد ذلك.


كل شاب عراقي يمتلك خبرة عسكرية، هناك حديثا كبيرا عن حرب المدن والشوارع. ومباراة كرة القدم التي كان واضحا أنها بمثابة المخدر لمنع الحديث عن الحرب، تحولت الى ساعتين و نصف من الهياج وانتهت برفع الأعلام ومتحدثون دوليون وهتافات و موسيقى حماسية لتعبئة الجمهور.


"ابعث أبنائك للموت يا بوش" هتف احد الفنانين وسط التصفيق وصورة ضخمة للرئيس صدام أعلى الملعب شبيهة بصورة تشي جيفارا. كانت المباراة جيدة.


كان الناس يائسين خاصة وان اقتصادهم قد مزقته 12 سنة من الحصار وبناهم التحتية ضعيفة إضافة إلى القلق الكبير حول الوضع الإنساني.


معظم العوائل صارت فقيرة تعيش على مدخراتها القليلة من العملة البائسة وتعاني من العذاب والاضطهاد في اتخاذ القرار. هل يغادرون مبكرا ويخسرون وظائفهم، هل يتركون أموالهم لتصبح عرضة للنهب والسلب، أم يتمهلون في المغادرة وحينها سوف لن يكون باستطاعتهم ذلك.


بينما تستعد بغداد للحرب، يبقى السؤال المهم هو هل سيبقى العراقيون متحدون أم أن الحكومة بكاملها ستنهار؟


الرسميون العراقيون ينكرون مثل هذا النوع من الخوف" جمهورية الخوف" ويقولون أن الناس سوف تحتشد وراء الحكومة. بينما يتوقع الأمريكيون بأنه وبمجرد ضعف الحكومة فان الناس ستؤيد التغيير الجديد لنظام مكروه من قبلهم.


عند تجوالي في الشوارع، استوقفني حديث احد الخياطين الذي كان يستعد للمغادرة قبل وقوع الحرب ويأمل في وضع أفضل لعراق ما بعد صدام. " إذا حكم البلد بشكل مختلف سنحظى بحريات اكبر وسأعود للبلد ثانية" قال ذلك بمكر.


انتوني بوردن: المدير التنفيذي للمعهد