Institute for War and Peace Reporting | Giving Voice, Driving Change

بغدادييون يائسون من الوضع الامني

بعد أحداث الهجمات الاخيرة، يقول السكان ان سنوات الاحباط من الوضع الامني تتحول الآن الى حالة من اليأس
By Khalid Waleed

خالد وليد (تقرير الازمة العراقية رقم. 358، 4 تشرين الثاني – نوفمبر 2010)

عاشت بغداد، وعلى مدى يومين، حالة من الترويع بسبب الانفجارات التي دفعت المسؤولين الى ان يبحثوا عن اجابات، والسكان ان يتهيأوا لمزيد من العنف.

و وردت وزارة الصحة ان 86 شخصاً قد قتلوا، وجرح 360 آخرين، في انفجار ما لا يقل عن 14 سيارة مفخخة و ثلاث عبوات ناسفة في مناطق متفرقة في العاصمة بغداد في اليوم الثاني من تشرين الثاني.  وقد جاءت الهجمات المنسقة بعد يوم واحد من هجوم شنه مسلحون على كنيسة خلال اقامة القداس ، مما ادى الى حصاردامي مخلفاً 52 قتيلاً و 73 مصاباً.

وقد روعت هذه الاعتداءات المواطنين الذين يعيشون أصلاً حالة خوف من هجمات المسلحين، ويشعرون بالاحباط من فقر الخدمات الاساسية، ومن جمود سياسي طاحن منع تشكيل حكومة عاملة عقب ثمانية اشهر من اجراء انتخابات وطنية غير حاسمة. وضمن الوضع هذا، ينقسم المحللون حول ما اذا ستضع هذه الهجمات نهاية للصراعات السياسية، او ستفاقمها عندما يعقد البرلمان جلسته في الثامن من الشهر الجاري بناءاً على أمر أصدرته المحكمة العليا.

ولكن لا يوجد مثل هكذا انقسام وعدم اليقين في شوارع بغداد. فقد أبلغ سكان العاصمة معهد صحافة الحرب والسلام بعد الهجمات، بان سنوات الاحباط من الوضع الأمني قد تحول الى حالة من اليأس.

"تتدهور الحالة الامنية، ولا أعتقد مطلقاً بانه سيتم حلها. ليس هناك من أمل باننا سنعيش في أمان أبداً"  يقول عبدالله النوفلي، مدير الوقف المسيحي، بعد الهجوم الدموي على كنيسة سيدة النجاة الكائنة في حي الكرادة ببغداد، الذي يضم خليطاً من الشيعة والسنة.  واضاف بان الضربة التي تلقاها المسيحيون، الذين يتضاؤل عددهم أصلاً في العراق، كانت كبيرة جداً.

وقال النوفلي " يمكنني القول بان هذه هي بداية النهاية للمسيحيين في العراق. اعتقد  بانهم سيغادرون جميعا في الوقت الحالي، وسوف لن يبقى احد منهم بعد وجودهم منذ آلاف السنين".

وألقت الحكومة المنتهية ولايتها باللائمةعلى الجماعات الارهابية المدعومة من الخارج، كما وسارعت في الوقت نفسه الى اعادة طمأنة العراقيين، بان استهداف مناطق ذات اغلبية شيعية لن يعيد البلاد الى الايام المظلمة من سفك الدماء الطائفية، والتي بلغت ذروتها عامي 2006 و 2007.

ويقول قاسم عطا، الناطق الرسمي باسم قيادة عمليات بغداد، وهي الهيئة التي تشرف على امن العاصمة "تراجع قيادة عمليات بغداد خططها، لكن الوضع تحت السيطرة. صحيح ان مأساة قد حدثت ولكننا سنحل المشكلة. ان هذه التفجيرات مدعومة من دول اقليمية ، ولانها وقعت في مناطق تسكنها أكثرية من طائفة معينة، فاننا نقوم بالتدقيق في الوضع عن كثب وبكل دقة".

ولم يعط  عطا المزيد من التفاصيل عن اي دول ربما تكون متورطة في هذه الهجمات، لكن اقواله هذه، دعمها الناطق الرسمي باسم وزارة الدفاع، محمد العسكري، الذي اشار الى ان هذه الاعتداءات كانت جزءا من خطة شاملة لتنظيم القاعدة تهدف الى زعزعة الاستقرار في العراق ودول اخرى.

"ان هذه التفجيرات نفذتها القاعدة بمساعدة عناصر من حزب البعث (الذي كان يتزعمه صدام حسين)، وقد استهدفت جميع العراقيين وليس الشيعة فقط. ويجب ان نعترف بانها كانت ضربة كبيرة، لكن التحقيق مازال جارياً، ونحن نقوم بملاحقة الذين كانوا وراء هذه الهجمات" قال العسكري، الذي لم يستطيع ان يؤكد بان الهجوم على الكنيسة والتفجيرات التي اعقبتها بيوم واحد، قد تم شنها على يد نفس التنظيم.

ووفقاً للعسكري، فان نظريات المسؤولين حول ان الذين نفذوا هجوم الكنيسة كانوا يحظون بدعم من وراء الحدود، تأتي من شهود عيان.

"لم يكن المسلحون عراقيين. كانوا يرتدون زي الشركات الامنية ويتحدثون اللغة العربية بلكنة غير عراقية (حسب ما قاله الضحايا). وستفرض القوات الامنية اجراءات مشددة حول الكنائس ايام الآحاد، وحول المساجد أيام الجمع، لاننا لدينا معلومات بان المواقع الدينية ستكون اهداف محتملة". اوضح العسكري.

وعقب الهجوم الوحشي على الكنيسة، أصدرت دولة العراق الاسلامية التابعة لتنظيم القاعدة بياناً حذرت فيه بان الهجوم ما هو إلا بداية لمزيد من أعمال العنف ضد المسيحيين. وقد وصف الذين حضروا القداس ذلك اليوم، المحنة بعبارات مخيفة.

"كنا داخل الكنيسة عندما سمعنا صوت انفجار القنابل في الخارج، فذهبنا الى الغرفة الخلفية. وبعدها اقتحم المسلحون الكنيسة وأطلقوا النار على القس فوراً"  قالت هناء سليمان.

"ورايت احد المسلحين يصلي (على الطريقة الاسلامية) وعندما انهى صلاته صرخ "الله أكبر" و"حي على الجهاد" وبعدها فجر قنبلة كان يرتديها. و آخر شيء اتذكره هو ان طفلاً كان يقف الى جواره".

وعبر اثير جاسم، وهو أحد ضحايا التفجيرات أيضاً، عن الاحباط الذي ينتشر على نطاق واسع بين العراقيين ازاء فاعلية القوات الامنية. فقد تساءل الكثير منهم عن كيفية تمكن مسلحين محملين بالقنابل من التغلغل الى قلب بغداد، متجاوزين العديد من نقاط التفتيش.

"نسمع وعلى مدى سنوات، بان الوضع الامني سيتحسن، لكن اين هو هذا التحسن؟ لا أصدق بانه سيتحسن ابداً"  اضاف جاسم.

ويعتقد البعض بان الخطوة الاولى باتجاه تحسين الوضع الامني العام تكمن في تشكيل حكومة عاملة. وقد أصدرت المحكمة العليا الشهر الماضي، حكما لصالح دعوى قانونية رفعتها مجموعة من منظمات المجتمع المدني، بان البرلمان قد خرق الدستور لفشله انتخاب رئيس له وفق الموعد النهائي المقرر في الدستور، وأمرت البرلمانيين بالاجتماع من جديد.

ويعتقد جيسون كلوك، كبير المستشارين القانونيين في معهد الولايات المتحدة للسلام، بان الهجمات قد تضغط على النخبة السياسية العراقية لتشكيل ائتلاف فعال.

"في حين تظل المفاوضات حول تشكيل الحكومة المقبلة عسيرة، فان هناك احساساً بان القيام بالعمل اصبح ضرورياً وواجباً" يقول كلوك.

لكن يوست هيلترمان، مدير برنامج الشرق الاوسط في مجموعة الازمات الدولية، شكك في ان يكون لاعمال العنف الاخيرة اي تأثير على المباحثات المتوقفة بخصوص تشكيل الحكومة.

"انها تضيف الى الضغط على تشكيل الحكومة، لكنها لن تفعل الكثير لكسر جمود العملية السياسية".

وفيما يستمر التطاحن السياسي مرة اخرى الاسبوع المقبل، فان اليأس يظل هو الشعور الطاغي في شوارع بغداد.

" لن يتحسن الوضع الامني مطلقاً" يقول أحمد علي، وهو مالك مطعم، وشاهد عيان على تفجيرات الثاني من تشرين الثاني، متكلماً مثل كثير من الناس في العاصمة. " لو أملك المال الكافي لغادرت البلاد فوراً".

وليد خالد، صحفي متدرب في معهد صحافة الحرب والسلام.