Institute for War and Peace Reporting | Giving Voice, Driving Change

الموصل تحولت إلى مدينة أشباح

عاد المراسل الذي تدرب لدى معهد صحافة الحرب والسلام ليجد مدينة كالحة، مهجورة، وبالكاد يمكن التعرف عليها، بعد أن كانت مكانا &quot;رائعا&quot; عند آخر زيارة قام بها قبل 12 عاما.<br />
By Qassim Khidhir
. كان طابع الفوضى يغلب على نقطة التفتيش، حيث يطلق الجنود النار في الهواء لفسح الطريق.



كانت المدينة نفسها مُترَبَة للغاية، وبدا الناس في الشوارع منهكين. كان جميع الفنادق مغلقة. و معظم أثرياء الموصل كانوا قد غادروها في العام 2004.



يبدأ حظر التجوال في الساعة 10 مساء ولكن معظم الناس يعودون إلى منازلهم بحلول الظلام. يمكن سماع أصوات الأعيرة النارية بشكل متقطع طوال اليوم، وهو أمر يعتبره سكان الموصل طبيعياً.



في حين أن نينوى كانت مستعدة لتنفيذ مشاريع الإعمار، إلا أن المقاولين يخشون العمل هنا حيث يقوم المسلحون بتفجير المدارس والمباني الجديدة.



ذهبت أول مرة إلى الموصل، مركز محافظة نينوى، في صيف العام 1996، عندما كان عمري 15 عاما.



في ذلك الوقت، كان قد تم عزل كردستان العراق عن طريق عقوبات إقتصادية فرضتها الأمم المتحدة على العراق و كذلك من قبل الحكومة العراقية السابقة في عهد صدام حسين.



كانت هناك أزمة وقود في إقليم كردستان، لذا اعتاد والدي على الذهاب إلى المدينة كل يوم لملء سيارته الفولكس واكن موديل 1988 بالبنزين ليقوم ببيعه عند عودته إلى كردستان.



زيارتي للموصل أدهشتني حقا. كانت ثالث كبريات المدن العراقية كبيرة ورائعة، شعرت و كأنها بلد آخر غير بلدي و مسقط رأسي؛ أربيل، التي تبعد عنها نحو 70 كيلو متر.



بعد قطيعة دامت 12 عاما، عدت مؤخرا إلى المدينة - التي كانت يغلب عليها طابع العنف وعدم الإستقرار منذ انهيار النظام السابق في العام 2003- للعمل الصحفي و نقل الوقائع هناك.



سافرت مع عضو في أحد الحزبين السياسيين الكرديين الرئيسين في سيارة قديمة بالية. قال السائق "نستخدم السيارات القديمة لأننا لا نريد أن نلفت أنظار المسلحين والخاطفين".



في اليوم الثاني، أخذتني الشرطة العراقية في جولة حول المدينة. وقد أعاد الناس تسمية شوارع الموصل و التقاطعات والأحياء. لا أحد يجرؤ على السير عبر "شارع الموت" في الليل لأن المسلحين سوف يقدمون على قتلهم. انفجرت عدة سيارات عند "التقاطع المحروق".



هناك العديد من المناطق التي يشير إليها الناس على إنها "محلات إغتيالات"، حيث كان المسلحين يقتلون ضباط الأمن وأعضاء الأحزاب السياسية في وضح النهار.



قال شرطي إن المسلحين يعطون مبلغ 50.000 دينار للمراهقين لزرع العبوات الناسفة على جوانب الطريق.



كان العديد من سكان الموصل موالين لصدام حسين و كان أغلب ضباط جيشه من هذه المدينة.

أخبرني محافظ نينوى دريد محمد كشمولة إنها كانت أكثر المحافظات خطورة في العراق- فقد أصبحت بحدودها العريضة وغير المحمية مع سوريا، تستقطب المسلحين من جميع أنحاء البلاد.



تنفي الحكومة السورية اتهامات الولايات المتحدة من انها تسمح للمسلحين بدخول العراق، قائلة إنها فعلت كل ما في وسعها لتأمين الحدود.



قال كشمولة إن البطالة كانت عاملا رئيسا في الإضطراب هنا. وأضاف أن ضواحيها أكثر أمنا من مركز المدينة، حيث توجد معظم المؤسسات الرسمية والحكومية. وقال أيضا إن معظم المسلحين يعيشون خارج الموصل ولكنهم يقومون بتوجيه الضربات في الأحياء الداخلية للمدينة.



ذكر نائب المحافظ خسرو كوران أن هناك عدم ثقة بين القوات المسلحة في المحافظة، التي تتألف من العرب السنة والشيعة والكرد.



يحاول رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي أن يستبدل القوات الكردية، والتي تعمل بإمرة وزارة الدفاع العراقية، بقوات تدين بالولاء للحكومة المركزية. هذا بسبب المخاوف من أن ولاء القوات الكردية داخل الموصل هو للزعماء الكرد وليس إلى بغداد.



أمر المالكي بنقل القوات الكردية إلى محافظات الوسط والجنوب، لكن الجنود رفضوا الأمر، مدعين أن وراءه دوافع سياسية.



ووصفوا الأمر بالإهانة حيث قالوا أنهم كانوا الأوائل الذين أرسلوا هناك لقتال المسلحين في العام 2003. وقالوا إن العديد من رفاقهم فقدوا حياتهم في محاولة لتأمين المدينة.



و لكن الآن، ينضم العرب السنة وضباط من جيش صدام حسين إلى وحدات الجيش العراقي في محافظة نينوى، يقاتلون جنبا إلى جنب مع الكرد ضد المسلحين.



المقدم فؤاد محمد علي وهو عربي سني وضابط في الجيش السابق والذي يترأس الآن عمليات اللواء الخامس في الموصل.



في اليوم الذي أُسقط فيه تمثال صدام حسين في بغداد، مؤشرا على نهاية حقبة البعث، يتذكر أنه كان في بيجي، شمال العاصمة، يقوم بحراسة مخزن للأسلحة.



لم ينضم علي إلى الجيش الجديد عندما أنشئ في البداية. في العام 2005 و بعد فترة طويلة قضاها من دون عمل، ذهب هو وعائلته إلى أربيل حيث قدم طلب إنضمام الى الجيش العراقي في الموصل.



وقال علي إن "الضباط السابقين يعودون إلى الجيش لأنهم سئموا من المسلحين وملُّوا من كونهم بلا عمل". ويقول إنه لا توجد خلافات بين الكرد والعرب في لوائه.



يقول كوران، وهو كردي في قائمة التحالف الكردستاني، و المعروفة أيضا بقائمة نينوى المتآخية، إن نحو 1.5 مليون شخص في المحافظة لهم الحق في التصويت في انتخابات مجالس المحافظات المقبلة. ويعتقد كوران أن مليون شخص سيدلون بأصواتهم.



من المتوقع أن تأتي الإنتخابات بمزيد من الزعماء العرب إلى السلطة. سيشارك العرب السنة، الذين قاطعوا بشكل كبير انتخابات مجالس المحافظات في 2005، في الإنتخابات.



قال كوران إن ما يصل إلى 37 قائمة قد سجلت في نينوى للمشاركة في انتخابات المحافظات، التي سيتم إجراؤها في 31 كانون الثاني 2009. تعود بعض القوائم إلى أعضاء سابقين في حزب البعث، وبعض الى رؤساء العشائر.



يعتقد كوران أن الكثير من العرب السنة سيصوتون تماشيا مع الخطوط العشائرية والوطنية وليس الدينية.



لم يتضح ما إذا كانت الموصل ستصبح أكثر أمنا بعد الإنتخابات. ذلك سيعتمد، في جزء منه، على ما إذا كانت الإنتخابات نفسها ستكون نزيهة وما إذا كانت جميع الأحزاب تقبل بنتائجها.



بعد يومين فقط في الموصل، كنت أتطلع إلى العودة إلى دياري. اختار سائقنا طريق مختلف للمغادرة عن ذلك الذي سلكناه عند دخولنا إليها.



وقال إنه من الأفضل أن تمر مباشرة عبر الأحياء التي يعيش فيها الكثير من المسلحين، بسبب أن احتمال مهاجمتنا هناك أقل.



قال وهو يقودنا إلى خارج المدينة، "دعونا نترك مدينة الأشباح هذه ونعود إلى أربيل لنعيش بعض الحياة".



قاسم خضير صحفي تدرب في معهد صحافة الحرب والسلام في أربيل