Institute for War and Peace Reporting | Giving Voice, Driving Change

المقاهي العصرية تستنزف التقاليد البغدادية

أجهزة التلفاز الفاخرة والمشروبات الغازية والتبغ المستورد تجذب جموع الشباب من
By IWPR Iraq
.



ينساب التغيير تدريجياً في مقاهي بغداد التي أكل عليها الدهر وشرب والتي تتميز بطبيعتها الذكورية، حيث ان التبغ بنكهة الفواكه هو أحد علامات هذا التغيير. يطغى هذا المُنتج المُعّطر على على أوراق التبغ التي دخنتها أجيال من العراقيين منذ القدم بواسطة ما ُيعرف بالأركيلة.



يتم تقديم هذا النوع الجديد في مقاه ٍ تتميز بعوامل جذب نموذجية والتي تحتوي على شاشات تلفاز عملاقة مع تشكيلة من المشروبات الغازية بجانب مشروب الشاي التقليدي، بالاضافة الى تواجد عدد قليل من النساء أحياناً وسط حشود الزبائن من الرجال.



مع استمرار التحسن الامني في بغداد تنتعش مثل هذه الاماكن ،بالرغم من بقاء غيرها من الاماكن الترفيهية الاخرى محدودة بسبب الصراع.



هنا يتسائل علي حسين ذو ال 32 عاما ويعمل مقاولاً لقطع غيار المحركات الكهربائية (الماطورات) في بغداد " أين يمكننا ان نذهب في بلد لاتوجد فيه أماكن تسلية ؟ " ... " ُيعّد المقهى كالجنة بالنسبة لنا- فهو مكان نلتقي فيه نحن الأصدقاء لنزيح عنا عناء العمل ".



ان أغلب زبائن المقاهي هم من الشباب، حيث أثرت دول الجوار على اتجاهاتهم واذواقهم نظراً لأقامة بعضهم هناك حتى أمدٍ قريب كلاجئين.



يرى سرمد الوائلي ، وهو صاحب محل تسجيلات في مطلع الثلاثينيات، العديد من النقاط المشتركة بين الانواع الجديدة من المقاهي في بغداد والانواع التي اعتاد على ارتيادها عندما هرب الى سوريا خلال فترة الصراع الطائفي.



حيث يقول " يقلد الشباب العراقيون الذين رجعوا بعد هدوء الاوضاع الاسلوب السوري " ..." لقد اهتموا بشكل كبير بالديكور وبنوعية الخدمة ".



مقهى العراق هو المفضل لدى سرمد ، فهو مقهى يقع وسط العاصمة بغداد ويشرف على الخدمة فيه نوادل نشطون ، بالاضافة الى وجود العشرات من أنواع الأراكيل ، المقبلات ، والبرامج الرياضية الحية التي ُتعرض على شاشات تلفاز مسطحة هناك.



الى ذلك يقول ضياء نصيف جاسم البالغ من العمر 42 ، وهو صاحب المقهى " لقد كان هذا المقهى ُمختلفا ً للغاية قبل عشرة سنوات ".



يواصل ضياء القول " لقد استبدلت المقاعد المصنوعة من الخيزران بمقاعد بلاستيكية لانها تدوم لفترة أطول، وأدخلت تصاميم إنارة حديثة ونباتات لتجميل الجو".ويصرح ضياء بان معدل ماينفقه زبائنه هو 5000 دينار عراقي ( مايعادل 4 دولارات)بينما كان معدل الانفاق 1500 دينار.



يُعّلق ضياء بقوله " ان شباب اليوم يبحثون عن أماكن أكثر خضرة ، وجلسات ذات طابع مميز".



وعلى حد قول ضياء فان طبيعة الزبائن تغيرت بتغير الديكور حيث يقول " كانت المقاهي في السابق مخصصة للذين يبلغون من العمر 25 فما فوق. لقد كان من المخجل جدا لاي شخص دون ذلك أن يتواجد فيها. أما في يومنا هذا ، فيمكنك ان ترى جميع الانواع- من المراهقين الى البالغين".



آخذين بنظر الاعتبار أوضاع البلد السياسية المضطربة فقد تغيرت الأحاديث أيضاً بطريقة كان من المستحيل البوح بها في أيام الرئيس السابق صدام حسين خشية التعرض للأذى.



يقول حسن العاني ، وهو سائق تكسي في أوائل الاربعينات " أصبح يناقش الناس قضايا طائفية " ويضيف بالقول بان سرقة المصرف الاخيرة والتحقيقات في قضايا الفساد شكلت محور الاحاديث في المقاهي.



لا يشعر الكل بالارتياح لمثل هذا الانفتاح ، فبالرغم من التطورات الاخيرة ، لاتزال بغداد مدينة يسودها العنف ولايمكن التنبوء مالذي سيحصل فيها.



يعلق سرمد بالقول " أتجنب الحديث عن المسائل الطائفية"..." فاذا ماطرحت وسط الحديث ، احاول تغيير الموضوع أو ترك المكان ".



بينما يقول ضياء بانه نادراً مايسمع أحاديث تدور حول الانقسام الشيعي- السني والذي كان سبباً للكثير من إراقة الدماء في العراق مؤخراً. إلا انه يتوخى الحذر بالرغم من ذلك – فالحراس يفتشون الزبائن الداخلين الى المقهى و حمل الاسلحة غير مسموح.



يواصل ضياء حديثه بالقول ، بان مرتادي المقهى يستكشفون حرية سياسية واجتماعية جديدة أغلب الأوقات.



ويستمر ضياء بحديثه " في السابق ، كانت معظم أحاديث الزبائن تدور حول المشاكل الشخصية وأمور الحياة والبطاقة التموينية ... وعن الحكومة بحذر شديد . أما الآن فانهم يتحدثون عن الحكومة بشكل مفتوح ، بل وينتقدونها من دون خوف".



" كما يتحدث الشباب بحرية تامة عن علاقاتهم العاطفية مع الفتيات " حسبما يقول ضياء.



قد تحتل النساء الجزء الأكبر من الأحاديث بين الرجال ، إلا إنهم يبقونه موضوعا جانبياً ، حتى في أكثر مقاهي بغداد حداثة ً.



في إطار الموضوع نفسه يتمنى حامد سالم ذو ال 28 ربيعا ، ويعمل كهربائيا في حي الكرادة ، ان تتواجد النساء بصورة أكبر. حيث يقول " لا نرتكب أي خطأ. ففي البلدان الاسلامية الخليجية نستطيع رؤية النساء وهن يدخن الأركيلة. لماذا تعتبر هذه مشكلة هنا ؟! ".



يضم الطالب عصام أحمد ذو ال 19 عاما صوته لصوت سابقه، حيث كان يجلس في مقهى تقدم الأركيلة فيه يقع في شمال العاصمة بغداد وتحديداً في حي تونس، حيث ذكر أيضا أمثلة عن دول مجاورة.



ويواصل الحديث ُمعّلقا بأن المقاهي شهدت ثورة حيث يستطيع المراهقون أمثاله الآن أن يرتادوها من دون خوف من عدم الرضى. حيث يقول " في زمن والدي، كان جدي فقط يدخن الأركيلة ".



من جهة اخرى ُيعتبر وجود النساء والمراهقين في المقاهي مصدراً للقلق بالنسبة لبعض الاشخاص الذين ينتمون للماضي ويؤمنون بتقاليده.



صبحي الحديثي ، وهو رجل في أواخر الستينات يرتدي الدشداشة، يعتقد ان تدخين الأركيلة امتياز ُيكتسب بتقدم العمر.



من مكان جلوسه في مقهى حسن عجمي التقليدي حيث تتدلى المراوح التي يعلوها التراب من السقف الخشبي عّلق صبحي بالقول " انها تفسد الشباب وتهدر طاقتهم الكامنة بالاضافة الى نقودهم".



ويواصل صبحي" ان دخول المقاهي غير محظور على أي فرد إلا إن السماح للنساء والرجال التدخين في نفس المكان هو تفسير خاطىء لمعنى الحرية".



وعلى أي حال ، فان من العادات الاخرى التي تتميز بها المقاهي القديمة هي عادة الترحيب بالنساء.حيث يقول محمد ناصر ، وهو موظف حكومي متقاعد " اعتقد انه من الظواهر الحضارية السماح للنساء بالجلوس في المقاهي بعد كل تلك الاحاديث عن المساواة وحقوق المرأة ".



وعلى الرغم من ذلك ، فان التحفظات بخصوص السماح للنساء الجلوس في المقاهي مازالت منتشرة.



هنا يستذكر ضياء ، صاحب مقهى العراق، اضطراره الى طرد الزبائن من المقهى بعد مواجهة بالسلاح بسبب إحدى الفتيات.



حيث ُيعّلق على الحادثة بالقول " ان الشباب العراقيين لم يصلوا الى النضج المطلوب لتقبل واقع (الاختلاط مابين الجنسين)"..." انا متاكد من ان ذلك سيخلق مشاكل عندما يبدأون بمغازلة الفتيات ومضايقتهن ".



ويشاركه سرمد (صاحب محل التسجيلات وأحد رواد المقهى الدائميين) الرأي حيث ُيفضل بقاء النساء بعيداً " لا أشعر بالأرتياح عندما أرغب بالمزاح بصوت عالٍ أو مناداة أحد أصدقائي بألقاب معينة عند تواجد النساء في المحيط ".



ويواصل " فانا أتواجد هنا للتخلص من الزوجة والضوضاء التي يسببها الاطفال".



ان النساء العراقيات المحافظات لايرتادنّ مثل هذه الاماكن، حسبما يقول سرمد، ُمضيفا بأن ذلك قد يخلق مشكلة له مع زوجته إذا ماعلمت ان النساء يرتادنّ المقاهي أيضاً.



خالد الانصاري - صحفي متدرب في معهد صحافة الحرب والسلام - بغداد