Institute for War and Peace Reporting | Giving Voice, Driving Change

المضافات في كفرنبل قهوة مرّة وحرّية تعبير

الكاتب: مصطفى الجلل
By Mustafa al-Jalal

كانت المضافة قديما تبقي أبوابها مفتوحة ليلاً ونهاراً لعابري السبيل وطالبي الغوث، والوافدين من القرى المجاورة والقادمين من أماكن بعيدة في غياب المواصلات. وكانت المضافات تقدم الطعام للضيوف الغرباء، وتدور فيها القهوة المرة العربية طوال فترة تواجد الناس فيها.

(كفرنبل – سوريا) بعدما أصبح مطلوباً لقوات الأمن عقب بدء الحراك الثوري، أغلق أبو حسام أبواب مضافة والده في مدينة خان شيخون وأعاد فتح ابوابها في كفرنبل  الخاضعة لسيطرة المعارضة التي اختارها مقصدًا للنزوح.

ألقت أحداث الربيع العربي نهاية عام 2010 ظلالها على المضافات في مدينة كفرنبل, واحتلت المواضيع السياسية  وأخبار الثورات العربية  الحيز الأكبر للنقاشات في كافة الأوقات والأماكن. عندما بدأت المظاهرات في سوريا منتصف آذار/مارس 2011 انقسم الأهالي بين معارض للنظام ومؤيد له, ومنذ ذلك الوقت ظهرت التغييرات على المضافات وأصبحت تعتمد بشكل رئيسي على موقف الأشخاص من النظام والثورة .

 أهم ما في المضافة بحسب أبو حسام (47 عاماً) “القهوة المرة العربية التي يتم إعدادها باستعمال عدد من الأدوات الضرورية مثل: (المحماس وعاء التقمير) وأطباق القش أو الخشب لتبريد حبوب القهوة و(المهباج ) لطحنها ودلاء نحاسية مخصصة للطبخ والتخمير وتقدم بفناجين القهوة العربية المعروفة “.

عن أثاث المضافة يقول أبو حسام “تكون أرض المضافة مكسوة بالسجاد، وفي جنباتها فُرش محشية بالصوف هكذا كانت الحال قديماً وتحافظ بعض المضافات على هذا الشكل والأثاث، أما حديثاً فالفرش من الإسفنج، ويستند الضيف على أرائك محشية بالصوف أو القش”. ووتزين بعض المضافات بأواني نحاسية وخشبية وفخارية مختلفة غير الأواني الخاصة بالقهوة. كما تنتشر في أرجائها أشياء تراثية مثل عجلات خشبية أو أدوات موسيقية كالربابة والعود والدف وغيرها, وتتوسط المضافة مدفأة الحطب, أما جرة الماء الكبيرة فتوضع قرب باب المضافة.

الحاج علي وهو أحد وجهاء مدينة كفرنبل  (80 عاماً) يتحدث لموقع “دماسكوس بيورو” عن عمل المضافات ويقول: “كانت المضافة قديما تبقي أبوابها مفتوحة ليلاً ونهاراً لعابري السبيل وطالبي الغوث، والوافدين من القرى المجاورة والقادمين من أماكن بعيدة في غياب المواصلات. وكانت المضافات تقدم الطعام للضيوف الغرباء، وتدور فيها القهوة المرة العربية طوال فترة تواجد الناس فيها. وفوق هذا يأتي دور المضافات في حل الخلافات والمشاكل الاجتماعية. أما في وقتنا الحالي فقد تحولت إلى ما يشبه النوادي السياسية، حيث يتم تحليل آخر المستجدات وتبادل الآراء حولها”.

ويشير الحاج علي إلى وجود مضافات يعتمد أصحابها على حل الخلافات في مضافتهم للحصول على الأموال حيث يخصص للمضافة نسبة من الأموال التي يتم دفعها في حل المشاكل, فيما هناك مضافات غالباً ما يقوم صاحبها بدفع الأموال من جيبه الخاص بغية تيسير أمور حل بعض المشاكل .

يقول أبو حسام: “بعد وفاة والدي وقعت مسؤولية المضافة على عاتقي. وبعد مشاركتي في أول مظاهرة في مدينة خان شيخون أصبحت مطلوباً لقوات النظام التي داهمت المضافة وأحرقتها… بعد استقراري في مدينة كفرنبل سارعت إلى افتتاحها وبعون الله عادت كما كانت، لكن بمضمون مختلف قليلاً.  تحولت المضافة إلى ملاذ آمن لكل هارب او مطلوب لقوات النظام. وفي بعض الأحيان إلى غرفة عمليات توضع فيها الخطط الهجومية على حواجز النظام في خان شيخون إضافة إلى دورها الطبيعي التي فتحت له”.

ويتابع أبو حسام : “تم افتتاح مضافات خاصة يجتمع فيها شريحة من الثوارالسيئين و يتم في هذه المضافات حياكة مؤامرات الخطف والابتزاز، حيث يقوم صاحب المضافة  بالوساطة بين الأطراف مقابل حصة معينة من الفدية”.

ويتحدث الحاج بديع  (83 عاماً) عن الوجه الجديد للمضافات حيث أن النقاشات والمواضيع التي كانت تطرح فيها تحولت إلى الجانب السياسي في معظمها, وتغيرت بعض الوجوه التي كانت مثابرة على التواجد باستمرار في المضافة يومياُ لعدة أسباب أهمها كون الشخص معارضاً للحراك, ودخلت وجوه جديدة مؤيدة لهذا الحراك .

عبد الكريم (42 عاماً) ورث عن والده المضافة التي هجرها أغلب أصدقاء والده بعد فترة من وفاته و خاصة بعد دخول قوات جيش النظام على المدينة، و لم يستمر في ارتيادها إلا من هم دون الستين من العمر ومعظمهم من المثقفين وحملة  الشهادات الجامعية ما أدى الى تغير المواضيع التي كانت تطرح و يتم تداولها ومناقشتها من حيث النوع والمستوى مع بقاء الأدوار التي كانت تقوم بها المضافة من حل للمشاكل واستقبال الضيوف وغيرها. ويوضح عبد الكريم “أن الجميع يستطيعون الخوض في كافة المواضيع دون أي خوف من أن يتم استدعاؤهم من قبل أحد فروع الأمن كما في السابق قبل بدء الحراك، حيث كان طرح أي موضوع يؤدي إلى نقد النظام بأي صورة محرماً”.

ويضيف عبد الكريم: “التغييرالذي طرأ لجهة ثقافة رواد المضافة ومستواهم وبهدف متابعة أخبار الحراك محلياُ وعربياً ودولياً بعد بدء الحراك في سوريا أدى إلى إدخال التلفزيون والبث الفضائي و شبكة الانترنت إليها حيث لم يكن مسموحاً أن توجد في المضافات سابقاً, كما ان الميول السياسية المؤيدة أو المعارضة للنظام فرضت على المضافة حضور طرف وانسحاب الطرف الآخر, رغم التزام الجميع بقبول كل الآراء المطروحة فيها دون توجيه اي اتهامات مهما كانت, لكن ضعف موقف مؤيدي النظام جعلهم يتغيبون بالتدريج عن متابعة ارتياد المضافة والتزموا منازلهم لأن أغلب المضافات الموجودة في مدينة كفرنبل  تنطبق عليها حالة مضافتنا”.

نهاراً تستقبل مضافة ابو عدنان (62 عاماً) الكثير من الخلافات التي يعمل على حلها مقابل نسبة بسيطة من المبالغ المدفوعة كحل للمشكلة مثل حوادث القتل الخطأ وحوادث الدهس. في المساء تتحول المضافة إلى ما مكان للتسلية، بين لعب الورق وطاولة الزهر والشطرنج إضافة إلى متابعة نشرات الأخبار وبعض برامج المنوعات على شاشة التلفزيون.

ويقول أبو عدنان: “من غير المسموح الدخول في نقاشات سياسية تتحول في مسارها إلى الخلاف أو السب والشتم أو الاشتباك المباشر وغير المباشر”. وإذ يشدد على التزام الرواد بآداب المضافة، يفاخر أبو عدنان بازدياد عدد روادها والذين انضم إليهم بعض من كانوا يعارضون الحراك الثوري بعد خروج قوات جيش النظام من مدينة كفرنبل.