Institute for War and Peace Reporting | Giving Voice, Driving Change

المسلحون الشيعة يواصلون التحدي على الرغم من التراجع

مظاهرة الألف القوية تخرج في النجف بعد قرار الزعيم الشيعي بسحب قواته الى خارج المدينة
By IWPR Iraq

تجمع الزوار على جانب الطريق جنوبي النجف، وهم يشكلون جزءاً قليلاً من آلاف العراقيين الذين اتجهوا نحو المدينة المقدسة استجابة لنداء رجل الدين الشيعي الأول في العراق, آية الله العظمى سيد علي الحسيني السيستاني.


لقد أصدر سماحة السيد رجل الدين نداءه في 25/ آب للمساعدة في انهاء ثلاثة أسابيع من انتفاضة جيش المهدي الموالي للزعيم الشيعي المتطرف مقتدى الصدر.


وحث السيستاني كلاً من القوات الأمريكية وجيش المهدي على مغادرة المدينة. وكانت مظاهرة السادس والعشرين من آب تهدف الى اظهار الدعم السلمي العام لندائه.


وقال الشيخ محمود البياتي, ممثل آية الله "لقد استجبنا لنداء سماحة السيد السيستاني لتحقيق السلام والأمن في النجف. انها مظاهرة سلمية, ونحن لا نحمل أسلحة."


وفي الثامنة صباحاً, انطلقت القافلة كلها على امتداد الطريق جنوباً. كانت هناك سيارات وحافلات كبيرة وصغيرة وشاحنات تتحرك, وكانت الأعلام الملونة البيضاء والخضراء والسوداء والحمراء ترتفع فوق القافلة, كما رفع البعض صور السيد السيستاني.


واصطفت عند احدى تقاطعات الطرق الداخلية الى الشمال من الكوفة تماماً مئات من السيارات لعبور نقطة تفتيش يديرها رجال العشائر المسلحون.


في غضون ذلك, أخذت مجموعة من أنصار السيستاني في حافلة صغيرة تنشد "كل العراق وياك .. سيد علي". وفي شاحنة أخرى هتفت مجموعة أخرى "الصدر في قلوبنا والسيستاني في عيوننا".


وفي سعي واضح من الصدريين للسيطرة على المسيرة, رفع البعض صوراً للشاب مقتدى الصدر ووالده محمد صادق الصدر, الذي اغتاله نظام صدام عام 1999.


وعبر موكب السيارات نهر الفرات متجهاً الى داخل مدينة الكوفة التي تبعد (10) كلم فقط عن النجف المحاصرة, وهي الآن قاعدة مساندة لقوات الصدر.


وانتشر رجال الصدر المسلحون بالمدافع الرشاشة والقذائف الصاروخية والبنادق بين المتظاهرين, يلوحون بصور كل من الصدر والسيستاني. ولكن وبالقرب من مسجد الكوفة الرئيس تفتتت المظاهرة بالفوضى عندما اندلع اطلاق النار, وأسرع المقاتلون من بداية المسيرة وهم يحملون الجرحى, وساد الرعب بين المتظاهرين, في حين تسابقت سيارات الاسعاف جيئة وذهاباً, مع السواق وهم يصرخون متسائلين ان كان ثمة أي جرحى بين الحشد لنقلهم. وحتى السيارات الخاصة والدراجات النارية ساهمت في حمل الجرحى نحو مشفى الكوفة.


وفي مقدمة المظاهرة, اختبأ المتظاهرون خلف زوايا الشوارع وخلف السيارات والأشجار يحتمون بها عندما اشتد اطلاق النار.


ولم يكن من الممكن مشاهدة لا جيش المهدي ولا القوات الأمريكية ـ كانت هناك سيارات الشرطة العراقية فقط وهي تشكل نقطة تفتيش مغلقة الطريق نحو النجف.


وتساءل أحد المتظاهرين وهو يرتجف رعباً "لماذا يطلقون النار علينا. انظر, العراقيون هم الذين يطلقون النارعلينا وليس الأمريكان."


وأجاب آخر "ان آية الله الذي تتبعونه هو الذي باعنا."


وبدأ أحد الصدريين يصرخ عند رؤيته لمصور تلفازي يصور المتظاهرين الذين يحملون صورة آية الله العظمى, ولكن أصدقاءه أسكتوه.


وقال أحد أفراد المجموعة "أين السيستاني؟ هل هو في البصرة, يجلس قرب مكيفات الهواء البارد, بينما نتعرض نحن هنا للقتل."


وعلى وفق ما ذكره المسؤولون في مشفى الفرات الأوسط في الكوفة فقد وصل عدد القتلى الى عشرة مع (70) جريحاً. إلا ان الأطباء توقعوا المزيد من الخسائر.


ووصل موكب السيستاني الى النجف, لاحقاً في ذلك المساء, واتجه الى منزل يعود لأحد ممثليه. وبالقرب من المنزل الذي أحاطه رجال الشرطة, أكد مدير شرطة النجف غالب الجزائري ان السيستاني وصل تواً. وقال الجزائري "لقد أعلنا هدنة من طرف واحد, ونأمل انهم (جيش المهدي) يحترمونها ويطبقونها, ونحن قرب المرقد الشريف, وتقف جميع العشائر وسكان النجف معنا. واذا لم يمتثل الصدريون فاننا سنكون المنتصرين."


وحتى عندما كان رئيس الشرطة يتحدث, فقد حاولت مجموعة من المتظاهرين الدخول الى الصحن الحيدري على بعد عدة مئات من الأمتار. وقد أوقفتهم الشرطة وهي تطلق النار في الهواء.


وقال أحد المتظاهرين وهو يحمل صورة الصدر "لن نغادر النجف. سننام هنا حتى يسمحوا لنا بدخول المرقد."


وفي ذلك المساء, أعلن ناطق باسم السيستاني ان آية الله العظمى التقى بالصدر, وان الأخير وافق على اخلاء المرقد.


وقال الناطق ان مكتب السيستاني قد طلب من السلطات العراقية السماح لجميع المتظاهرين المدنيين غير المسلحين بالدخول الى المرقد في مجموعات منظمة.


وفي صباح اليوم التالي ومع اطلالة الفجر, تدفق مئات من الناس الى الشارع مجتازين ساحة المرور حيث ذكر ان الشرطة أطلقت النار على المتظاهرين في اليوم السابق.


وكانت أطراف المدينة عبارة عن مشهد للدمار, وقد انتشرت أغلفة الرصاص والزجاج المكسور وقذائف الهاون المتفجرة في الشارع. كما انتشرت الثقوب والحفر على جدران وواجهات البنايات التي بدت وكأنها قد حدثت بفعل رشقات المدفعية والمدافع الرشاشة الثقيلة. وفي بعض المنازل فقد هبطت السقوف بفعل القنابل.


ومر الزوار من داخل المدينة القديمة المحيطة بالمرقد, حيث يقوم كل اثنين في الأقل من رجال جيش المهدي بحراسة كل زقاق ضيق, وقد رحب بعضهم بالجموع المارة, لكن الآخرين بدوا متعبين وحذرين.


وعندما وصل المتظاهرون الى مجمع المرقد نفسه, انطلق فجأة وابل من الرصاص والمتفجرات مثيراً مرة أخرى موجة من الرعب بين صفوف المتظاهرين.


ومر رجلان يدفعان عربة عليها أحد الجرحى. وقال أحد مقاتلي جيش المهدي وهو يحرس زاوية المرقد "انهم لا يريدون السلام. ولا توجد هدنة. انكم تقاتلون اليهود والشرطة. انهم عملاء صدام."


وقال علي عداي وهو مقاتل من جيش المهدي عمره (26) سنة وكان يلف رباطاً على ذراعه ورأسه "لا أعتقد ان هذه الهدنة ستنجح. واذا ماقال السيد مقتدى القوا أسلحتكم وعودوا الى أعمالكم, فانني سأطيع."


وفي الساعة التاسعة صباحاً, أذاعت مكبرات الصوت في المرقد بياناً قالت انه صادر من مقتدى الى "اخوتي في جيش المهدي" وقال الصوت "اذا ما وصل الحشد المسالم, اذهبوا معهم من الكوفة والنجف بدون أسلحتكم. ولا تعصوا الأوامر, وإلا فانكم ستؤذون أنفسكم وتؤذوني. هذه أوامر العلماء والمرجعية الدينية. لذلك أطيعوها."


وأشاد المتحدث بعد ذلك بالمقاتلين قائلاً "لم تهملوا واجبكم, لقد قدمتم الى مرقد الامام علي (ع) أعلى درجات الدفاع."


وبعد عدة دقائق من الارتباك, بدأ المسلحون يجمعون أسلحتهم على عربات الدفع اليدوية وركضوا بها الى ما كان يبدو انه بناية خالية بالقرب من أحد الأزقة الضيقة.


الكثير من المقاتلين هنأوا بعضهم البعض على البقاء أحياءً, بينما بدأ آخرون بكل بساطة يحزمون أمتعتهم في أكياس بلاستيكية استعداداً للعودة الى بيوتهم.


وتهيأ البعض من جانب آخر لدفن رفاقهم الذين سقطوا في القتال, وأخذوا بدفع عربات وهي تحمل أربعة جثث متفسخة عبر الجموع وهم يرددون "الله أكبر".


وعلى الرغم من ذلك, لم يكن الجميع على استعداد للتخلي عن القتال بهذه السهولة. وقال أحد الرجال المسلحين وهو يحمل بندقية كلاشينكوف "سنرتاح, سنبقى عند ضواحي النجف. لا يمكننا ان نثق بالأمريكان وعملائهم في حكومة علاوي."


وقال علي عداي ان جولات أكثر من القتال مع الأمريكان ستأتي, "نريدهم أولاً خارج النجف, ثم خارج العراق انشاء الله. سيتحقق هذا في خطوات, نحن ندفع بهم الى الزوايا. لقد أطعنا أوامر قائدنا, ولكني لن أسلم سلاحي أبداً."