Institute for War and Peace Reporting | Giving Voice, Driving Change

الفقر يُخرج الأطفال من المدرسة

قد لا تكون إعادة إعمار المدارس كافية لإيقاف تسرب الأطفال من أجل كسب ما يكفي للبقاء
By Dina al-Summary

يبلغ احمد علي تسع سنوات من العمر وهو يعمل في بيع المشروبات الغازية على قارعة الطريق في حي المنصور الراقي في بغداد. ويقول بتفاخر "أعمل لكي أعيل عائلتي, والعمل جيد بخاصة عندما أبيع للجنود الأمريكان, فهم يدفعون لي بسخاء". وكان علي قد ترك مدرسته منذ عامين ويتكفل بإعالة نفسه و والدته وقد شجعه والده لأنه تزوج بأخرى ولا يستطيع التكفل بإعالة عائلتين.


قال له أبوه "كن رجلا".


في منطقة العلاوي الأشد فقراً, وجدت إيمان فوزي ـ 8 سنوات ـ زاوية ضيقة تستطيع منها بيع المعجنات إلى المارة.


وتشعر إيمان بالغيرة من بقية الفتيات في عمرها اللواتي يذهبن للمدرسة, بينما عليها هي أن تسارع نحو السيارات التي تتوقف عند إشارات ضوء المرور القريبة وتتوسل بركابها لشراء بضاعتها.


وتقول إيمان "توفي والداي ومنعني عمي من الذهاب إلى المدرسة لأن لديه عدة أطفال ولا يستطيع التكفل بي, لذلك أبيع الحلويات التي تصنعها زوجته."


إن علي وفوزي هما نتاج ظاهرة أخذت تتزايد منذ أن بدأ الاقتصاد العراقي بالتدهور في عقد التسعينات ـ أطفال يتسربون من المدارس للعمل, أو نحو الأسوأ: إلى الجريمة.


أميرة (وهذا ليس اسمها الحقيقي), معلمة مدرسة ابتدائية كتبت أنها شاهدت بعض طلابها السابقين يبيعون البضائع المسروقة. وقالت أميرة "حتى أن أحدهم يعمل كسارق للحقائب", مضيفة "لقد بذلت جهداً من أجلهم, لكنهم هددوني بان يثيروا عوائلهم ضدي."


وقد انخفضت نسبة الحضور إلى المدارس في السنوات الأخيرة .ويبين تقرير لوزارة التربية صدر عام 2000. أن ربع أطفال العراق لا يذهبون للمدرسة. والفتيات يحضرن بنسبة أقل من الصبيان, وكلا الجنسين يعيشان حالة أسوأ في المناطق الريفية. فإذا كان ثمانية من عشر صبيان, وسبع من عشر فتيات, لا يذهبون للمدرسة في بغداد, فان نسبة الحضور في المناطق الريفية تنخفض إلى سبعة وخمسة من عشرة على التوالي.


والآن تقول وكالة الأمم المتحدة لرعاية الطفولة ( اليونيسيف ) ان عدد الأطفال العراقيين الذين لا يحضرون إلى المدرسة قد ارتفع عالياً إلى نسبة 65 في المائة.


وهذه الأرقام تعد مخيفة جداً لأن العراق كان سابقاًَ في وضع تصفه الأمم المتحدة بأنه "أحد أفضل أنظمة التربية في العالم العربي". ويقول مكتب المنسق الإنساني التابع للأمم المتحدة إن نسبة الالتحاق بالمدارس الابتدائية وصلت إلى نسبة 100 في المائة في بداية عقد الثمانينات.


ويعزو المسؤولون التربيون هذا الارتفاع إلى وضع الاقتصاد العراقي المتدهور, إضافة إلى فقدان الأمن, إذ أن كلا الوالدين يخافان ولا يستطيعان إرسال أطفالهم إلى المدرسة.


العملية التربوية نفسها غير مريحة والمدارس تفتقر إلى الكهرباء مما يجعل الصفوف حارة في الصيف وباردة في الشتاء.


وقال السيد علاء عبد الصاحب العلوان, وزير التربية لمعهد صحافة الحرب والسلام إن مشكلة تسرب الطلاب "ترتبط بسوء الحالة الاقتصادية, وصعوبة الوضع المعيشي الذي تعاني منه معظم العوائل العراقية (إضافة إلى) تدهور نوعية التربية والبيئة المدرسية."


وفي مقابلة منفصلة مع صحيفة (الشرق الأوسط) في 25 كانون الثاني, قال العلوان إن نسبة التسرب انخفضت مؤخراً, وقال "نحن نشهد حضوراً منتظماً للطلاب الذين يحرصون على الحضور إلى مدارسهم."


ولكن الوزير لا يترك الأمور للصدفة, فيقول إن القوانين قد تغيرت من أجل إجبار الوالدين على إرسال أطفالهم إلى مدارس البلاد. وأضاف الوزير: "إن التعليم الإلزامي في العراق مستمر, وهناك التزام كبير به. القانون الذي كان يفرض التعليم الإلزامي على الأطفال في عمر السادسة, سوف نوسعه الآن ليشمل الأطفال في عمر التاسعة".


الإلزام قد يساعد, لكن الخبراء التربويين يعزون مشكلة التغيب عن المدرسة إلى الفقر الذي يعاني منه المعلمون.


ويعد العراق واحدا من عدة دول في المنطقة يزدهر فيها نظام الدروس الخصوصية. إذ يحتفظ المعلمون خلال الدروس المنتظمة بالمعلومات الضرورية للنجاح في الامتحانات, لذلك يضطر الطلاب للدفع مقابل دروس بعد دوام المدرسة.


ويقول زامل السعيدي, نائب رئيس منظمة حقوق الإنسان والعدالة, وهي منظمة عراقية غير حكومية تعنى بالقضايا التربوية "لا يستطيع الوالدان تحمل تكاليف المدرسة, لاسيما عندما يجبر الطلاب على أخذ دروس خصوصية, والتي بدونها سيرسبون في الامتحانات ".


ويقول العلوان إن الوزارة ترمي إلى تحديث المناهج و إنهاء نظام الدروس الخصوصية الذي يلقي عبئاً ثقيلاً على عوائل الطلاب. ويقول "إن لدى الوزارة أيضاً خططاً طموحة لإصلاح النظام التربوي, مشيراً إلى "وجود 15 ألف مدرسة في أرجاء البلاد, من بينها 2700 تعرضت للنهب وأحرقت خلال الحرب, و80 في المائة مما تبقى بحاجة إلى ترميم, وفي بعض الحالات نقوم بهدم المدرسة ويعاد بناؤها بسبب إهمال استمر لثلاثة عقود.


وقال الوزير لصحيفة (الشرق الأوسط) " نحن بحاجة للتحرك سريعاً لإعادة بناء المدارس, وتشمل خطتنا بناء 4500 مدرسة جديدة في أنحاء العراق وتجديد 1900 بناية. وما إن يكتمل هذا العمل, سيبقى لدينا أكثر من 12 الف مبنى بحاجة إلى إعادة اعمار كاملة".


المهندس المدني حسن فاضل, الذي يعمل كمستشار في وزارة التربية, أخبر معهد صحافة الحرب والسلام أن قوات الولايات المتحدة والقوات الأخرى قد قدمت فعلاً مساعدة جيدة, موضحاً بقوله "لقد تجاوزت قوات التحالف عملنا في تأهيل بعض المدارس وتجهيزها بالماء والمرافق الصحية, و إضافة صفوف جديدة, حتى قبل أن تبدأ حملتنا ".


ومع ذلك, قد لا يكون إصلاح المدارس وتبديل المناهج كافياً لحل المشاكل الاقتصادية التي تجعل من الأطفال العاملين مصدر رزق لوالديهم.


في أحد أماكن بيع الشاي في بغداد, يقوم ولد صغير ببيع الشاي, فيما يقوم والده بمراقبته. ويبدو أن إحدى ألاعيبه كانت ناجحة, إذ يقوم بسكب الشاي على ملابسه ثم ينفجر باكياً, ويعود إلى والده بالنقود, ويبتسم الجميع.


ويقول الوالد "لا أربح كثيراً من هذا العمل, لذلك أدع ولدي يعمل معي. انه يكسب جيداً, الناس يعطونه المال حتى لو لم يشربوا الشاي ".


من أجل إعادة مثل هؤلاء الأطفال إلى المدارس مرة أخرى, سوف تحتاج بغداد إلى المزيد من قصص النجاح مثل قصة صباح هادي, أحد الموظفين في دوائر الدولة الذي استفاد من التحسن في الرواتب بعد الحرب. وقال هادي "أستطيع الآن أن أتكفل بدراسة أطفالي, كما قامت الوزارة بتوزيع حقائب مدرسية ودفاتر لهم, لذلك آمل أن يكملوا دراستهم, المعرفة وشهادة التخرج هما أهم الأشياء في الحياة ".


دينا الشمري ـ صحفية متدربة في معهد صحافة الحرب والسلام ـ بغداد