Institute for War and Peace Reporting | Giving Voice, Driving Change

العيش يوماً بيوم

يحاول أحد العراقيين ان لا يفكر أكثر من اللازم لا بالماضي ولا بالمستقبل
By IWPR Iraq

عادة ما يضع العراقيون خططاً للاحتفال بعطلة نوروز في شهر آذار من كل عام، كأن تكون رحلة الى شمال البلاد للتمتع بفصل الربيع في الجبال، او بكل بساطة التمتع بعشاء عائلي في المنزل.


وفي مثل هذا الوقت من العام الماضي، كان علينا الاستعداد للحرب، نخزن الطعام ونوفر المال.


استيقضت صباح يوم (20) آذار/2003 ، اليوم الأول للحرب على صوت صفارات الانذار عن غارة جوية، وانتظرت بقلق سماع القنابل وهي تنفجر، فلم أسمع شيئاً، لذلك عدت الى النوم مرة أخرى.


بعد ثلاثة أيام انفجر ثلاثون صاروخاً في بناية كلية الأمن القومي، وهو مكان معد لتدريب عناصر المخابرات ويقع خلف بيتنا. حزمنا أمتعتنا وانتقلنا الى بيت عمي مع كل ما استطعنا حمله.


مع ذلك فقد ظلت المدينة طبيعية الى حد ما خلال الأسبوعين التاليين على الرغم من اننا كنا نستمع في الليالي الى الأخبار من راديو "سوا" عن سقوط المدن واحدة تلو الأخرى تحت سيطرة قوات التحالف.


وفي الرابع من نيسان وصل الجنود الأمريكان الى أطراف بغداد. كان ذلك عندما انقطع التيار الكهربائي وبدأت المدينة تذوب في الفوضى.


كان منزل عمي يقع على أكثر الطرق أماناً خارج المدينة.


وكنا غالباً ما نجد الجنود العراقيين الهاربين وهم نائمين خارج المنزل عند الليل، ينتظرون حتى الصباح ليتجهوا الى خارج المدينة.


كنا نزودهم بالطعام والشاي والماء، حتى ان عمي قد أعار دشداشته الى أحد الضباط برتبة عقيد ليتمكن من المرور كشخص مدني.


بعد عدة أيام وفيما كنت أقود السيارة خلال المدينة، بحثاً عن محل لتصليح اطار السيارة المثقوب، وجدت نفسي داخل معركة.


وراقبت لدقيقة او اثنتين بدهشة مجموعة من فدائيي صدام وهي تطلق قذائف صاروخية من منتصف الشارع على دورية أمريكية.


اختبأوا وراء سياراتهم، لكنهم تعرضوا لنيران الرشاشات وقذائف الدبابات. وامتلأ الشارع بالمركبات المحترقة فيما كان الفدائيون يحاولون اخلاء جرحاهم.


وبعد عدة ساعات شاهدت مجموعة أخرى من الفدائيين تستعرض خلال المدينة. كان أحدهم يحمل ذراعاً مبتورة فيما كان الآخر يحمل رأساً بشرياً, زاعمين انهما من بقايا جندي أمريكي.


وبدأنا كذلك نسمع عن عمليات النهب.


لقد أذهلني ان ما يحدث هو شيء طبيعي. كان الناس فقراء ومضطهدين. من يستطيع ان يلومهم لأخذ حاسوب او مكيف هواء، وهي أشياء كانت في أي وقت آخر ستكون خارج امكاناتهم.


وانتهزت الفرصة لألتقط كمية من الذخيرة لبندقيتي (أك ـ 47). وسألت بعد ذلك أحد علماء الدين عن هذا العمل فقال انه جيد ما دمت أحتاجه لغرض الدفاع عن النفس.


تلك كانت حربي.


العديد من العراقيين يدعونها "التحرير". الآخرون يسمونها كارثة.


وأنا أفضل مصطلح "الحواسم" الذي ابتكره صدام حسين في خطبه قبل القتال، فيما أخذنا نستخدمه الآن للسخرية.


إنه مصطلح جيد. فقد حسمت الحرب كل شيء، ولكننا لا ندري ان كان هذا نحو الأحسن أو الأسوأ.


لدي أقارب دفنوا في المقابر الجماعية.


ابن عمي أحمد البالغ من العمر (13) سنة اعتقل عام 1981. وسمعنا ان سبب اعتقاله يعود الى ان أحد أصدقائه كان يمضي أوقاته في مقهى يرتادها أعضاء حزب الدعوة.


وعرفنا بعد الحرب ان أحمد قد أعدم.


وقد جرى اعتقال ابن عمي الآخر فيما دعاه صدام بالغوغاء عام 1991. ولم نعلم أبداً ما حدث له.


وبالنسبة لي شخصياً، فقد كان أسوأ ما في النظام هو البيروقراطية.


لم أحصل على جواز سفر أبداً لأن ذلك كان سيتطلب من ان أمضي تقريباً كل يوم ولمدة شهرين في دائرة الجوازات.


وكان الأمر سيتطلب تسليم رسائل حسن سيرة من المسؤول البعثي في الحي الذي أسكنه, مع دليل بعدم تبعيتي لأي أصول ايرانية، ودليل على اني قد أمضيت سنة ونصف في خدمة الجيش ـ اضافة الى دفع مبلغ (400) ألف دينار تعادل (200) دولار، وهومبلغ ليس من السهولة جمعه.


ولم يكن الابتهاج هو أول ما شعرنا به بعد الحرب وانما كان هو الخوف.


في البداية، كان الإدراك باننا لم نعد نستطيع اعتبار أمننا الجسدي مضموناً، حيث أصبحنا نشعر في كل وقت يغادر فيه أي فرد من العائلة البيت، بالقلق بانه أو بانها سوف تتعرض للسرقة، الاختطاف، جريمة قتل او القتل عرضياً.


وبسرعة أصبح جلياً ان الآمريكان لن يفعلوا أي شيء من أجلنا، بل انهم لا يكنون لنا حتىالاحترام.


وقد صدمت بشكل خاص بسبب حادثة واحدة شهدتها عندما غرس جندي أمريكي ماسورة بندقيته في صدر جاري معتز الذي كان يحاول ان يمر الى مركز الشرطة ليحصل على طلب عمل.


وصرخ عقيل وهو واحد من أصدقائي، في وجه الجندي قائلاً "لقد كدت ان تقتله" فقال الجندي "هذا لا يهمني".


بعد الأيام القليلة الأولى التي تلت سقوط بغداد، كانت عائلتي وهي تحمل علماً أبيض أثناء سيرها في المدينة، وتجفل في كل مرة تشاهد فيها مركبة عسكرية أمريكية, قد توصلت الى استنتاج بان العراق لم يعد مكاناً صالحاً للعيش.


واعددنا الخطط للانتقال الى سورية او تونس، حيث يوجد لدينا أقارب. وعلى أية حال فقد أدركنا أخيراً ان الوضع تعيس حقاً لكنه قابل للعيش.


قد ننظر الى الوراء بعد خمس او ست سنوات من الآن ونعتقد بان الحرب قد شكلت نقطة تحول وان الحياة قد ابتدأت بالتحسن بعدها. او ربما ستؤول الأمور الى الأسوأ.


ومع ذلك فانني حالياً احاول بكل بساطة ان أعيش حياتي يوماً بيوم وان لا أفكر أكثر من اللازم عن كل من الماضي او المستقبل.


*محمد فوزي ـ بغداد