Institute for War and Peace Reporting | Giving Voice, Driving Change

العودة الى بغداد

مبعد عراقي يعود الى الوطن ليجد ان العاصمة تتعافى ببطء من كابوس الصراع الطائفي.
By IWPR Iraq
. كنت ممتلأ بالامل انني ساعود في يوم ما الى المدينة التي شهدت طفولتي وذكرياتي.



عدت في الاسبوع الماضي الى العاصمة العراقية – بعد تشجيع من اهلي بان الوضع في بغداد اصبح جيدا-.



بدأت قصتي بعد استلامي رسالة تهديد "اما ان ترحل او تموت"، اعتقدت للوهلة الاولى انها بسبب كوني اشتغل مع منظمة اجنبية، لكنني اكتشفت لاحقا انها بسبب العنف الطائفي وكما اشارت رسالة التهديد الثانية "لانريد امثالكم في منطقتنا".



انتقلت للسكن في منطقة اكثر امانا قبل رحيلي الى القاهرة في حزيران 2005. ومثل غيري من العراقيين هناك، فقد اندهشت لرؤية الناس وهم يحيون حياة اعتيادية هادئة حيث يسهرون الى ساعة متاخرة من الليل دون خوف من الانفجارات. انهم لا يفكرون بساعات منع التجوال، انهم يتجمعون في المتنزهات والمطاعم ويتمتعون بكل لحظة من حياتهم.



وكعادتنا كعراقيين، كنا نجتمع ونناقش اخرالاخبار عن الوطن و المستجدات في تردي الامور الامنية. كنت احرص على سماع الاخبار من اصدقائي واقربائي داخل العراق وليس فقط اعتمادا على ما تبثه وكالات الانباء او القنوات الفضائية.



تقود النقاشات احيانا الى العدوانية بسبب اختلاف وجهات نظرنا، لقد جلبنا مشاكلنا واختلافاتنا معنا الى القاهرة رغم اننا نشترك في هم واحد هو اننا تركنا البلد خوفا من بطش الميليشيات بنا.



لم تتحمل عائلتي الحياة في القاهرة فقرروا العودة في نيسان 2006 حيث بقيت لوحدي مما زاد في معاناتي لانني كنت دائما قلقا عليهم في العراق. كثير من العوائل العراقية عادت الى البلد بسبب اوضاعها المادية حيث اصبحت في وضع صعب لا يمكنها من البقاء هناك.



جلب بعض الموسرين من العراقيين كميات كبيرة من النقود معهم، حيث قاموا بشراء الشقق وفتح المطاعم والافران هناك. الا انهم كانوا قلة ، فمعظم العراقيين لم يجدوا فرصة عمل لهم في القاهرة. كانوا يعتمدون على ما جلبوه معهم من نقود، وحين نفذت قرروا العودة الى العراق مهما تكون النتائج حيث لم يكن امامهم خيار اخر.



كنت ارغب بالعودة الى العراق قبل هذا الوقت لكني كنت راغبا في تجديد اقامتي في مصر لسنة اخرى كي يكون لدي خيار اخر في حال تسوء الامور في بغداد.



ظل اهلي خلال الاسابيع الماضية يخبرونني ان الامور قد تحسنت كثيرا وان هناك المئات من العوائل تعود يوميا من سوريا. واخيرا قررت العودة. بعت اثاثي وانهيت كل متعلقاتي هناك وكنت محظوظا في ايجاد مكان على الطائرة في الاسبوع الماضي حيث كانت الرحلات محجوزة لعدة اسابيع.



سمعت اخبارا طيبة من طاقم الطائرة من ان الامور في بغداد في تحسن يوما بعد اخر، كنا قد سمعنا بذلك من الاخبار لكننا كنا نتصور انها جزء من الحملة الاعلامية التي تروج لها وزارة الدفاع لخطة فرض القانون.



بعد وصولي المطار،عرض علي الزملاء ايصالي الى البيت دون ان يسألو عن منطقة سكناي. وكان ذلك علامة جيدة اذ انهم بامكانهم الوصول الى اي منطقة في بغداد.



في طريق العودة الى البيت، شاهدت السيارات تعبر الجسر الذي يقود الى العامرية وحي الجهاد اللتان كانتا من اكثر المناطق سخونة في العاصمة.



اخبرني الزملاء ان هناك فرص عمل كثيرة في الحكومة او في القطاع الخاص لان انخفاض العنف قد شجع الشركات الاجنبية على الاستثمار وخاصة في الشمال الكردي المستقر نسبيا. يسهر الناس الى ساعة متاخرة من الليل في بغداد حيث كانت في السنة الماضية مدينة اشباح لا يجرؤ احد فيها على مغادرة بيته بعد الساعة الرابعة عصرا.



الشيء المخيب للامال الذي لاحظته وسمعته هو غياب الخدمات العامة مثل الماء والكهرباء والوقود والرعاية الطبية. امضيت الليلة الاولى معتمدا على مولدتي الخاصة لان الكهرباء كانت مقطوعة تماما.



الامور بشكل عام جيدة في بغداد، لكن ذلك لايمنع من وجود قصص وحكايات وذكريات حزينة. لقد صعقت لسماع ان معظم الجيران اما قتلوا او هجروا، انني اعجب كيف وصلنا الى هذه الحال. لقد عشنا سوية لعقود دون ان نهتم لاختلاف انتماءاتنا او معتقداتنا.



لا زلت اذكر الفتى طارق الذي وجدت جثته على القمامة. ولا زلت اذكر الرجل الكهل ناجي الذي كنا نسميه العمدة او المختار لانه كان يصر على حضور كل مناسباتنا الحزينة والمفرحة. لقد تم تهجيره دون السماح له بنقل اي من اثاث بيته او حاجاته الثمينة. لقد سمعت قصصا تفطر لها قلبي وبكيت لها.



لكن كانت هناك قصص مفرحة ايضا لسماعي ان الكثير من العوائل قد عادت الى بيوتها بعد انحسار العنف.



لم اتجول في المدينة منذ رجوعي، الا ان الامور تبدو جيدة ومشجعة. لم تكتمل الصورة بعد لكن قوات العشائر بدأت بالسيطرة على المناطق السنية وهو امر لايمكن معه الركون طويلا الى استقرار الوضع الامني.



لكن هناك امل ان تعود بغداد تلك المدينة التي نعرفها والتي يندمج الليل والنهار فيها حيث يعيش اهلها دون خوف من القتل والخطف والابتزاز.



فضل الكاتب عدم ذكر اسمه لاسباب امنية