Institute for War and Peace Reporting | Giving Voice, Driving Change

العراق يحاول كسب الوقت لإتفاقية وضع القوات مع الولايات المتحدة

تأجيل الإستفتاء والدفع في الوقت المناسب قد يساعدان في تشتيت عدم الارتياح حول الإتفاقية الأمنية
By IWPR Iraq
.



يقول البديري "حطموا باب الدار بواسطة عجلة عسكرية... ذهب أخي خالد لتفحص الأمر، لكنهم أطلقوا عليه النار و أردوه قتيلا. و من ثم قتلوا زوجتي أيضا."



وفي اليوم التالي للحادث، تظاهر المئات عند مبنى المحافظة في مدينة الكوت، حيث وقع الهجوم، مطالبين بإنهاء "الاحتلال" الأمريكي، على حد ما وصفوه.



أعقب ذلك، دعوة رئيس الوزراء نوري المالكي للولايات المتحدة، ومن على شاشات التلفزيون الحكومية بتسليم الجنود الذين نفذوا الهجوم الى المحاكم العراقية.



حيث اتهم المالكي القوات الأمريكية بإنتهاك الإتفاقية الأمنية العروفة بـ (SOFA)، وما نصت عليه من وجوب الإشراف العراقي على انتشار ما تبقى من تلك القوات في البلاد.



لكن الولايات المتحدة ردت بأن جنودها تصرفوا بصورة صحيحة وضمن حدود أحكام الإتفاقية. وجاء في بلاغ عسكري نشر إثر الهجوم بأن الجنود أطلقوا النار على رجل كان يقترب منهم و هو يحمل سلاحا. أما المرأة التي "انتقلت إلى خط النيران" فقد ماتت هي أيضا رغم تلقيها العلاج الطاريء من قبل طبيب عسكري.



وبعد أربعة أشهر من الحادث، بقيت قليلة هي الأسئلة تمت الإجابة عليها، لكن الجزء الأكبر من الغضب العارم قد إنحسر.



يقول البديري بأنه تلقى إعتذارا من الجيش الأمريكي ومبلغا قدره 100 مليون دينار عراقي، أي ما يساوي (90 الف دولار) من المسؤولين العراقيين والأمريكيين.



في الوقت ذاته، فقد تم تأجيل الإستفتاء الذي كان من المقرر إجراءه بشأن الإتفاقية في هذا الصيف، إلى كانون الثاني من العام 2010، حيث سيتزامن توقيته مع موعد الإنتخابات البرلمانية العراقية.



الحكومة العراقية تقول بأن إرجاء الاستفتاء جاء لتوفير الأموال. فيما يقول منتقدوها بأن المالكي لا يريد المخاطرة بانتخابه مجددا، إذا قرر الناس عدم إعطاء صوتهم للإتفاق الذي يدعي بأنه صاحب الفضل الأول في التوصل إليه.



الصمت و التشكيك



إتفاقية وضع القوات المعروفة بـ (SOFA)، والتي صياغة بنودها في 2008 بين بغداد وإدارة الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش. تحدد البنود التي يمكن للقوات الأمريكية أن تعمل بموجبها في العراق، في وقت يواصل فيه الجيش الأمريكي خفض أعداده.



حيث يضع الإتفاق أطرا لإنسحاب القوات المقاتلة على مراحل، بدءً بالإنسحاب من معظم المدن والقصبات العراقية بحلول 30 من حزيران 2009. وحسب الإتفاقية، سيغادر معظم قوات الولايات المتحدة البلاد بحلول آب 2010. وسيكون كل ما تبقى من تلك القوات قد غادر مع نهاية العام 2011.



وكانت المصادقة على تلك الإتفاقية تمت من قبل البرلمان العراقي في كانون الأول من العام الماضي. وسط وعود من الحكومة العراقية بطرحها لاستفتاء شعبي خلال هذا الصيف، كرد على الانتقادات التي وجهت إليها بكون الاتفاقية غطاء لإطالة أمد بقاء القوات الأمريكية في العراق.



وتتضمن الإتفاقية أحكاما تقضي ببقاء بعض القوات الأمريكية لمساعدة وتدريب وتقديم المشورة لنظرائهم العراقيين. كما يتوجب على تلك القوات الحصول على ترخيص مسبق من السلطات العراقية قبل قيامهم بأي عمليات عسكرية في العراق، وعليهم اصطحاب قوات عراقية معهم– أو عليهم أن يبرهنوا بأنهم يقومون بهذه العمليات دفاعا عن النفس. وبذلك، لا يمكن محاكمتهم في المحاكم العراقية طالما استطاعوا إثبات أنهم في مهمة رسمية.



أفاد بيان عسكري أمريكي صدر بعد الهجوم بساعات في 26 من نيسان بأن العملية كانت قد "تم تنيسقها بالكامل مع الحكومة العراقية وبموافقتها."



إلا أن المسؤولين العراقيين في بغداد وواسط يصرون على أن الأمريكيين خرقوا القواعد حين هاجموا منزل البديري. وسمت الحكومة العراقية الإعتداء بـ "خرق غير مقبول" للإتفاقية الأمنية.



نائب محافظ واسط يوسف مهاوش أصر على أن القوات الأمريكية لم تمر بالقنوات المناسبة للحصول على موافقة بشن الهجوم.



وأضاف "لدينا لجنة أمنية يرأسها محافظ واسط، كما لدينا غرفة عمليات مشتركة مع القوات الأمريكية. كان على الأمريكيين أن يبلغوننا عن الهجوم عن طريق غرفة العمليات. لكنهم انتهكوا الإتفاقية الأمنية عوضا عن ذلك."



وهو ما شدد عليه رئيس مجلس محافظة واسط محمود طلال، بأنه "لم يكن هناك أي تنسيق بين السلطات المحلية والقوات التي اقتحم المنزل." وقال أنه لم يكن على علم بالهجوم إلا صبيحة اليوم التالي.



بعض الأهالي الكوت، انتابهم شعور بالصدمة، والشك في أن يكون المسؤولون العراقييون على علم بالهجوم.



حيث سأل عبد الفتاح، وهو ميكانيكي سيارات، "كيف يمكن لقوة عسكرية أن تدخل مدينة دون علم السلطات المحلية؟ أين هي الحكومة المركزية وما هو الدور الذي تلعبه؟"



روايات متناقضة



يدور معظم الشكوك حول رواية الجيش الأمريكي الرسمية للهجوم.



فقد جاء في بيان لجيش الأمريكي بأنه تم إعتقال تسعة من المشتبه بهم في الهجوم الذي استهدف "شبكة إجرامية" تقوم بتهريب الأسلحة لرجال الميليشيات الشيعية.



وما يزيد الاعتقاد بكون مدينة الكوت، مركز محافظة واسط، توفر طرق إمدادات المسلحين هو حدودها الممتدة مع إيران.



رفض البديري، وهو شيخ عشيرة في الخمسينات من عمره، وقد اختط الشيب على ذقنه، رفض أن تكون عائلته قد تورطت في أي جريمة أو تمرد. وقال بأن القوات الأمريكية قد اعتقلته هو وبعض أعضاء عائلته وأحد جيرانه.



وأوضح في حديثه لـ معهد صحافة لحرب و السلام، "لقد أخذونا بواسطة مروحيات. وطلب مني المحقق حينها ان أعين هوية عدد من الأشخاص في بضعة صور، ولكنني لم أتعرف على أي منهم."



وبعد ذلك بفترة قصيرة، أطلق الأمركييون سراح من أعتقلوهم جميعا، حسب قول البديري، بعد أن اعترفوا بأنم أقترفوا خطأ.



عشية الـ26 من نيسان، ظهر قائد القوات الأمريكية في المنطقة العقيد ريتشارد م. فرانسي في مؤتمر صحفي مع مسؤولين عراقيين وقدم اعتذاره لهجوم الكوت.



وقال البديري أن المسؤولين العراقيين والأمريكيين، كانوا قد أعطوه مبلغا من المال كي يغطي به مصاريف إقامة مراسيم الجنازة لأخيه وزوجته.



وأضاف بأنه تلقى 60 مليون دينار عراقي (أي 54500 دولار) من القوات الأمريكية و40 مليون دينار آخر من الحكومة العراقية.



من جهة أخرى، لم يستجب العسكر الأمريكي في العراق ولا مقرهم الرئيسي في فلوريدا الى طلب معهد صحافة الحرب والسلام (IWPR) للتعليق على هجوم الكوت.



الا أن الرائد جون ريدفيلد، الناطق بإسم القيادة المركزية في فلوريدا قال أن الولايات المتحدة "تقدم مبالغ كمواساة وذلك كاعتراف من طرفهم بالخسائر البشرية التي تلحق بالناس اللذين تضرروا نتيجة معركتنا المستمرة مع العدو."



وقال أيضا، "الهدف من دفع المبالغ في هكذا ظروف هو مواساة الأفراد، ولا يشكل اعترافا بأن حالات الموت التي وقعت هي نتيجة أعمال غير قانونية أو أن القوات الأمركية كانت مخطئة."



الخبير القانوني البارز طارق حرب، يرى بدوره إن دفع المبلغ للبديري قد هدأ من الغضب العارم الحاصل نتيجة الهجوم. وهو يعزو الخلاف حول الهجوم إلى "فقدان التنسيق الى درجة كبيرة بين القوات العراقية والأمريكية"، ويرى بأنه من غير المحتمل أن يحدث ذلك مرة أخرى.



ويقول حرب مستشهدا بالخطوة الأخيرة ضمن الإتفاقية الأمنية، "كان الهجوم بمثابة صيحة إيقاظ للجنود المريكيين. بالإضافة الى أن هناك خطر أقل للإحتكاك الآن بما أن معظم الجنود الأمريكيين قد انسحبوا من المدن و القرى".



"قد يكون من الصعوبة بمكان التوفيق بين الروايات العراقية و الأمريكية المتضاربة حول الهجوم، و لكنها ستصبح في نهاية المطاف غير ذات أهمية،" يضيف حرب.



وهو يرى بأنه لن يواجه أي جندي أمريكي اتهامات في المحاكم العراقية بما ان الولايات المتحدة كانت قد أصرت بأنهم كانوا في مهمة رسمية في الكوت – و هذا يعني أنهم يتمتعون بحصانة ضد المحاكمة.



تأجيل مناسب



انتقد عدد من السياسيين البنود الواردة في الإتفاقية الأمنية على انها تفسح المجال بشكل كبير أمام الجنود الأمريكيين للمناورة.



حيث ترى عضوة اللجنة القانونية في البرلمان إيمان الأسدي، وهي عضو في المجلس الأعلى الإسلامي الذي من المحتمل أن يتحدى المالكي في انتخابات كانون الثاني القادم، تقول بأنها اعترضت على البند الذي يسمح للجنود المريكيين بالدفاع عن انفسهم "كلما كان ذلك ضروريا."



وتوضح "هذه ثغرة يمكن استخدامها من قبل الأمريكيين... فالعبارة فضفاضة وقابلة لأن تفسر بطرق عدة، وقد طلبت من الجنة القانونية تغييرها، لكن دون جدوى."



خصوم المالكي – وخصوم الإتفاقية الأمنية أيضا – كانوا يأملون أيضا أن تؤدي أحداث من قبيل حادثة الكوت الى تعبئة الرأي العام في الوقت الذي سيجري فيه الإستفتاء على الإتفاقية كما هو مقرر في الصيف.



وهم لا يخفون غضبهم من قرار تأخير التصويت، كي يتزامن مع الإنتخابات البرلمانية في كانون الثاني.



يقول فلاح حسن شنشل عضو البرلمان عن الكتلة الصدرية، وهي الكتلة الممثلة لرجل الديني الشيعي مقتدى الصدر، بأن الحكومة حاولت إرجاء الإستفتاء لأنها كانت تعلم بأن المواطنين كانوا سيرفضون الإتفاقية فيه.



وأضاف، "فقد قاموا بإرجاء موعد الإستفتاء الى يوم يكون فيه الناخبون منشغلين بالإنتخابات."



اما المحلل السياسي عباس الشهابي، فهو يعتقد بأن الحكومة تخشى من معاقبة الناخبين لها وذلك لإخفاقاتها الكبيرة ألأخرى عن طريق التصويت ضد الإتفاقية هذا الصيف.



وحسب الشروط الواردة في الإتفاقية الأمنية، على أي طرف يرغب بالإنسحاب من الإتفاقية أن يعطي الطرف الآخر إشعار مسبق بسنة.



إذن، مازال أي رفض محتمل من قبل الناخبين العراقيين للإتفاقية في كانون الثاني القادم من شأنه أن يوفر على القوات الأمريكية متسعا من الوقت، اي الى كانون الثاني 2011 لتكييف ستراتيجيتهم كما يرومون. ولكن بحلول هذا الموعد ستكون الغالبية العظمى من القوات الأمريكية قد انسحبت من العراق حسب شروط الإتفاقية الموجودة.



ويقول شنشل بهذا لشأن، "تحاول الحكومة إنهاء مدة الإتفاقية عن طريق تأجيل الإستفتاء."



لكن، المسؤولين من المتحالفين مع المالكي يخالفون هذا الرأي. إذ يقول وليد الحلي، وهو مسؤول بارز في حزب الدعوة الذي يترأسه المالكي ومسؤول لمكتب حقوق الإنسان التابع للحزب "أن الإستفتاء تم تأجيله لضمان إجرائه في أجواء آمنة"، وكذلك "لتوفير الجهد والكلفة".



وفي كلا الحالتين، يقول الحلي، يحتمل أن يقبل معظم العراقيين بالإتفاقية بما أن الكتل السياسية التي تمثلهم قد ساندتها.



فيما يقول الخبير القانوني حرب بأنه حتى لو صوت العراقييون ضد الإتفاقية، فأن للإستفتاء "تأثير ضئيل" لأن القوات الأمريكية سيكون مازال أمامها عام للإنسحاب.



ولكنه يعتقد بأن الناس سوف لا يرفضون الإتفاقية بما إن غالبية العراقيين والكتل السياسية يؤيدون انسحاب للقوات الأمريكية على شكل مراحل.



علاوة على أن تأثير حوادث من قبيل هجوم شهر نيسان في الكوت يتلاشى بمرور الزمن، حسب ما يقول حرب.



"سيتم نسيان هجوم الكوت، فالمجتمع العراقي مليء بالمآسي."



شارك في هذا التقرير: محمد الزيدي، وهو صحفي متدرب لدى معهد صحافة الحرب والسلام من واسط، وباسم الشرع، وهو صحفي متدرب لدى المعهد من بغداد، بالاضافة الى نيل آرون، وهو محرر المعهد في اربيل.