Institute for War and Peace Reporting | Giving Voice, Driving Change

العدالة في دارفور على جدول الأعمال الدولي من جديد

تغيير واضح طرأ على موقف القوى العالمية؛ التي كانت حتى الآن تفضل السلام على العدالة وذلك عقب الاعتداءات الجديدة.
By IWPR ICC
.



لقد غابت لبعض الوقت، قضية تحقيق العدالة بالنسبة لضحايا دارفور عن جدول أعمال قادة العالم؛ الذين لم يتطرقوا إلى ذكر المحكمة الجنائية الدولية وأوامر الاعتقال التي صدرت عنها بحق مواطنَين سودانيين عميلين لحكومة عمر البشير وحلفائها.



ولكن ذلك تغير هذا الأسبوع بتدخل أهم الدول الأعضاء في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، بمن فيهم بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة، حيث تقوم جميعها بحث السودان على التعاون مع المحكمة وتسليم زعيم المتمردين ووزير الحكومة المطلوبَيْن من قبل المحكمةالجنائية الدولية.



هذا وقد قال السيد ريتشارد غولدستون الرئيس السابق لدائرة المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة : "لقد أدركت الدول أن الوضع في دارفور يتفاقم متجهاً من سيئ إلى أسوأ، وأن جميع التدابير الدبلوماسية لم تأت بنتيجة، وثبت أنه لاجدوى من الكلام."



ولكن يقول المراقبون أن أهالي دارفور قد دفعوا ثمن تحفظ قادة العالم الأولي بشأن المحكمة الجنائية غالياً جداً، ذلك أن من الواضح أن الخرطوم قد أعطت الضوء الأخضر لارتكاب موجة ثانية من جرائم الحرب ضد المدنيين هناك.



وقد أبلغ المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية السيد لويس مورينو - أوكامبو مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في الخامس من كانون الأول، أن ارتكاب "الجرائم الجماعية" لا يزال مستمراً في كل أنحاء دارفور وقال إنه سيفتح تحقيقين جديدين في قضية "الهجمات المنهجية" التي يشنها المسؤولون السودانيون ضد المدنيين؛ الذين تم ترحيلهم قسراً من قراهم إلى المخيمات.



وقال إنه سيحقق أيضاً في الهجمات ضد قوات حفظ السلام وعمال الإغاثة، كالهجوم الذي شُن على قاعدة الاتحاد الإفريقي في حاسكانيتا في تشرين الأول الماضي وأسفر عن مقتل عشرة جنود.

وقد قال السيد مورينو- اوكامبو أمام مجلس الأمن:"إننا شهود على الحملة المدروسة والمنظمة التي يشنها المسؤولون السودانيون لقتل الناس، بل ويذهبون إلى أبعد من ذلك، ساعين وراء تدمير النسيج الاجتماعي للمجتمعات بأسرها." كما أضاف " أن جميع المعلومات المتوفرة لا تشير إلى حملة فوضوية وأعمال متفرقة بل إلى هجمات منهجية."

وأضاف أن أعمال القتل غير القانوني والاعتقالات غير القانونية والعنف الجنسي، تعد من بين الجرائم التي يتم ارتكابها بشكل روتيني بينما " يشكل الإبقاء على أولئك الذين يعيشون في مخيمات النازحين عمداً في حالة عوز وخلق العقبات لمنع وصول المعونات إليهم، جزءاً لا يتجزأ من هذه الهجمات المنهجية."





كما قال أيضاً: إن المحكمة الجنائية الدولية تتهم أحمد هارون وزير السودان للشؤون الإنسانية، بأنه كان حاضراً أثناء العمليات الأخيرة ضد مخيمات النازحين قبل عشرة أشهر. هذا وقد كانت المحكمة قد اتهمت كلاً من هارون وزعيم ميليشيا الجنجويد علي كوشيب، بتنسيق أعمال العنف ضد المدنيين الأبرياء في دارفور.



هذا وقد رفض السودان تسليم أي من الرجلين وواصل التأكيد على ذلك هذا الأسبوع من خلال التحدي الواضح في خطاب سفيره لدى الأمم المتحدة عبد المحمود عبد الحميد محمد، الذي كرر أن الحكومة لن ترسل هارون أو كوشيب إلى لاهاي.



وعلى عكس ما كان عليه موقف أعضاء مجلس الأمن من صمت قاتل، اتخذوا في الخامس من كانون الأول موقفاً مغايراً واتحدوا جميعاً صفاً واحداً؛ لحث السودان على التعاون مع المحكمة.



وأكد الممثل البريطاني الدائم لدى الأمم المتحدة جون سويرز، دعم بريطانيا للمحكمة الجنائية الدولية والسودان، وقال ينبغي على السودان اعتقال وتسليم المتهمين مؤكداً أن على مجلس الأمن أن يقدم "تأييده الكامل والعلني" للمحكمة. كما ترددت أصداء دعوة السيد جان موريس ريبير الفرنسي الذي قال : إن على مجلس الأمن أن يتخذ قراراً يذكِّر السودان بالتزاماته.



وكذلك الولايات المتحدة التي رفضت التوقيع على نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، طالبت بتعاون السودان. وحتى الصين الدولة الحليفة للسودان، قد دعت مؤخراً لتكثيف التواصل والتعاون بين المحكمة والخرطوم.



هذا ويقول المحللون: إن هذا الضغط ضروري ويجب أن يستمر.



قال السيد عبد الباقي جبريل المدير التنفيذي لبرنامج الإغاثة في دارفور ومركز التوثيق في سويسرا: "لم يتغير سوى القليل جداً على أرض الواقع [و] السبب وراء ذلك هو رد فعل المجتمع الدولي الهادئ نسبياً على ما يجري هناك " كما أضاف " لم يتم إتباع قرار الأمم المتحدة القاضي بإحالة قضية دارفور إلى المحكمة الجنائية الدولية حتى الآن، بإجراءات ملموسة تجبر حكومة السودان على الامتثال للقرار."



وتتفق السيدة ليزلي ليفكو وهي باحثة كبيرة في منظمة الدفاع عن حقوق الإنسان، مع فكرة أن على مجلس الأمن أن يضطلع بدور أكثر فعالية في حل الأزمة وأن عليه إصدار قرار رسمي يطالب بأن يرسل السودان هارون وكوشيب إلى لاهاي.



حيث قالت:" لقد كانت الحكومة السودانية تفاخر بعدم تعاونها مع المحكمة الجنائية الدولية بشكل واضح وعلني" وأضافت "لقد أبقت الحكومة السودانية على أحمد هارون في منصبه كوزير الدولة للشؤون الإنسانية، ومما زاد الطين بلة أنها زادت من مسؤولياته في الأشهر القليلة الماضية وتحديداً منذ صدور أوامر الاعتقال. وأمر بديهي بل ولا مفر منه أن ينظر مجلس الأمن في ذلك وأن يرد عليه وإلا سيُعتبر صمته قبولاً."

وقد كشف السيد مورينو- أوكامبو في خطابه أمام الأمم المتحدة، عن تعيين هارون مؤخراً ضمن المجموعة المكلفة بالإشراف على نشر قوة مؤلفة من ستة وعشرين ألف جندي من قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة والإتحاد الإفريقي في دارفور.



ويعتقد البعض أن نجاح نشر تلك القوة المعروفة باسم UNAMID- - هو أحد الأسباب التي جعلت المجتمع الدولي يتردد في إعلان دعمه للمحكمة الجنائية الدولية قبل الآن.



قال السيد ديدر كلانسي المدير المشارك في المبادرة الدولية للدفاع عن حقوق اللاجئين:" بقي المجتمع الدولي صامتاً بشأن المحكمة الجنائية الدولية، لأنه كان يحاول التفاوض على قضية نشر قوات UNAMID- - ولذلك تجنب دعم المحكمة الجنائية الدولية لئلا يُقابل هذا المشروع بالتحفظ من الحكومة السودانية. وقد كان الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون قد أثار القضية في اجتماعه مع البشير في أيلول؛ إلا أنه لم يصدر أي بيان علني بهذا الخصوص."



وقد أكد المحامي عبد السلام حسن المتخصص بقضايا حقوق الإنسان من مقره في لندن بأن التركيز على السلام أكثر من العدالة أدى إلى نتائج عكسية قائلاً:

"كان واضحاً في الأشهر الأخيرة أن الحكومة ليست جادة بشأن التوصل الى السلام في دارفور، فهي تستمر في وضع العقبات [في الطريق]. ومن المؤكد أن عدم دعم ومساندة المجتمع الدولي للمحكمة، كان بمثابة رسالة خاطئة إلى الحكومة السودانية أوحت إليها بأنها قد تفلت من العقاب على أفعالها ".



ومع التحقيقات الجديدة التي باشرت بها المحكمة الجنائية يؤكد السيد حسن أن على زعماء العالم ألا يرتكبوا الأخطاء ذاتها مرة أخرى.



قال السيد ديك لوردجيك وهو باحث مهم في المعهد الهولندي للعلاقات الدولية :"إن لم تدعم الدول قرارات المحكمة الجنائية الدولية فليس لإنشائها والإنفاق عليها أي معنى." ويعتقد أنه من الممكن أن تكون العقوبات ضد السودان، هي التالية على جدول أعمال الأمم المتحدة."



وأما الرسالة الأهم التي أراد السيد أوكامبو أن يوجهها [إلى المجتمع الدولي] هي أنه المسؤول عن ممارسة الضغط على السودان. وكان مطلبه الأساسي فرض العقوبات على السودان سواء من خلال الوسائل السياسية أو الاقتصادية."



وأما في دارفور، فسيركز التحقيقين الجديدين للمدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية على الموجة الجديدة من الهجمات التي شنها المسؤولون السودانيون ضد مليونين ونصف المليون من المدنيين الذين أجبروا على النزوح وضد عمال الإغاثة وقوات حفظ السلام، هذه الهجمات التي قال بشأنها المدعي العام لبرنامج الأمم المتحدة : " هي تحدث الآن وعلى مرأى من أعيننا".



وقد أعلن السيد مورينوـ أوكامبو على مرأى ومسمع من المجتمع الدولي، أن المسؤولين السودانيين يسهلون على حلفائهم الجنجويد عملية استيطان أراض كانت ملكاً لقبائل الفراء والمساليت من غير العرب.



كما تحدّث أيضاً عن تشجيع خمسة وثلاثين ألفاً من التشاديين على الاستيطان في القرى المدمرة، لحرمان الفراء والمساليت والزغاوه من مكان آمن يعودون إليه. قائلاً:" إن إعادة التوطين يشكل دعماً لعمليات الترحيل القسري."



ومن الجدير بالذكر أن المسؤولين السودانيين قاموا بمحاولات لتفكيك مخيمات النازحين الكبيرة إلى مناطق أصغر بحيث تسهل عليهم السيطرة عليها.



وقد بين السيد مورينو - اوكامبو بشكل واضح أنه على الرغم من أن هارون يلعب دوراً رئيسياً في هذه الموجة الجديدة من العنف، إلا أنه ليس الوحيد قائلاً:" سيقوم مكتبي بالتحقيق لكشف من يتحمل المسؤولية الأكبر عن استمرار الهجمات ضد المدنيين، ومن الذي يبقي هارون في منصبه ليمكنه من ارتكاب الجرائم ومن الذي يوجهه. هذه هي قضيتي الثانية."



ويقول محامي حقوق الإنسان السيد حافظ محمد : إن مباشرة تحقيقات جديدة هي أخبار سارة " من الجيد إجراء تحقيقات جديدة للكشف عن كل هذه الجرائم الجديدة" وأضاف قائلاً: "إن ذلك مهم من الناحية النفسية وسيجعل الناس يفكرون ملياً قبل ارتكاب جرائم أكثر. إن ذلك سيكون رادعاً مهماً.

لم تحصل [المحكمة] على ما يكفي من القوة والدعم لتنفيذ الاعتقالات، إلا أنها لا تزال تملك تأثيراً قوياً في المنطقة."



ليزا كليفورد- كاتي غلاسبورو - سونيا نظام زاده، مراسلات صحفيات- معهد الحرب والسلم للصحافة- لاهاي