Institute for War and Peace Reporting | Giving Voice, Driving Change

الخطر يحدق بالصبية ُملمعي الأحذية

قصة تعكس شظف العيش الذي يعصف بصبي عراقي بعمر المراهقة يفترش قارعة الطريق في
By IWPR Iraq
.



يقول علي : " يسألني الناس لدى دخولهم البنايات الحكومية عن الحزب السياسي الذي ينتمي له المسؤولون الرفيعوا المستوى وهل كونهم يقبلوا الرشاوى ".



ويسترسل في حديثه موضحا" : " من ملامح وجوههم وهم خارجون من هذه البنايات أستطيع أن اعرف فيما لو كان قد حالفهم الحظ في إنجاز وترويج معاملتهم أثناء مراجعتهم للدوائر الحكومية ، ففي حالة كون مراجعتهم غير موفقة يقولون لي وهم مغادرون المكان بأن صبغ الأحذية الخاص بي رديء ثم يلعنون رئيس الدائرة الحكومية ".



وبنبرة تهكمية يقول علي " يبدو مظهرهم مُضحكاً بالبدلة وربطة العنق التي يرتدوها للمرة الأولى ".



لقد ترك على دراسته في المدرسة منذ ثلاث سنوات ليلجأ إلى ناصية الشارع المعبد في وسط مدينة الناصرية الشيعية جنوب بغداد مستفيداً من المقولة المأثورة التي مفادها إن الحياة خير معلم.



لقد نزحت عائلته إلى المدينة إثر موجة الجفاف والعنف والأضطرابات التي أكتسحت جمعيها منزلهم القديم الكائن في منطقة الأهوار جنوب العراق.



إن الصبي الذي أغفلنا ذكر أسمه الحقيقي لحمايته الشخصية قد أصبح ُملمعاً للأحذية لأنه لم يتسنى له الحصول على حرفة أخرى نظراً لصغر سنه. ، وهكذا فهو يحمل أدوات عمله في صندوق كبير يعلوه الصدأ ليكسب من وراء تلميع كل زوج أحذية مبلغ 1500 دينار عراقي الذي يعادل أكثر قليلاً من الدولار الأمريكي الواحد، ويمكن وصفه بكونه ذو شعر خفيف ويرتدي ملابس رثة تغطي جسده الهزيل.



ونجده يتحدث بفخر عن مساعدته لأختيه الأصغر سناً منه اللتان ما تزالان على مقاعد الدراسة ، كما يتذكر وعينيه مغرورقة بالدموع شقيقه الأكبر منه الذي توفي قبل أربع سنوات والذي كان معيلاً للعائلة آنذاك.



ويبين علي كيف حصلت الوفاة قائلاً: " ذكر الجيران بأن بعض الرجال أقتادوه في سيارة إلى جهة مجهولة بعد أن أوسعوه ضرباً مبرحاً حتى فقد وعيه وسألوه عما إذا كان على المذهب السني أم على المذهب الشيعي ، لكنه تردد قبل الإجابة " .



لم يتسنى لعلي مسح دموعه عند هذه اللحظات لأن يديه كانتا ملوثتان بصبغ الأحذية الأسود مكتفياً بالقول: " الله على الظالم " .



ويبين السيد حمودي الذي لم يصرح بإسمه كاملاً لكونه غير مخول بإدلاء معلومات للصحافة وهو شرطي برتبة عريف يتواجد ضمن المنطقة إن علي يزاول حرفة تلميع الأحذية كبقية أقرانه ضمن المنطقة التي تقع خارج بناية الحكومة المحلية ، ومما لا شك فيه إن مثل هؤلاء الصبية هم على حافة خطر الأنخراط في أعمال إجرامية مضيفاً : " إن مكانهم الحقيقي هو المدرسة ، فأي مستقبل ينتظر هذه الطفولة البائسة كما إنهم عرضة لتجنيدهم من قبل الأشرار لغرض تدمير البلد " .



ويوضح حمودي : " إن واجبي يكمن في حراسة البناية الحكومية تحديداً لكني أشفق على الصبية ملمعي الحذية الذين يتعرضون للضرب من قبل الزبائن المحتدمة غيضاً لسبب أو آخر أو من قبل المتسولين المتنافسين معهم على مكان التواجد المزدحم خارج البناية الحكومية " .



ووفقاً لما ذكره حمودي يعترض المسؤولون الحكوميون على تواجد هؤلاء الصبية خشية ظهورهم في الصور التي ُتلتقط للبناية من قبل الكادر الصحفي.



يشّبه المسؤولون في الناصرية هؤلاء الصبية بمثابة قذى العين لكن النظام البيروقراطي للمدينة يسمح لهم بالبقاء ضمن عملهم هذا، وقد عمد العمال المأجورين من قبل البلدية على إبقاء الشارع الذي يتواجد علي فيه مهملاً تالفاً لكي لا يبقى الحذاء نظيفاً لفترة طويلة.



ويستطرد علي القول : " لسبب ما يعمد هؤلاء على حفر الشارع نفسه ثم ملئه بالرمل كل بضعة أشهر لكي يضطر المارة إلى زيارتنا ".



لكن الأمر بالنسبة إلى علي مختلفاً فالمزيد من المارة لا يعني بالضرورة المزيد من الزبائن وبالتالي وافر المال حيث يحصل أحياناً هبوط حاد في الرزق اليومي المتأتي من هذه الحرفة وذلك ضمن مواسم أو مناسبات أو أعياد شيعية معينة كأيام عاشوراء والأربعينية وغيرها التي تتوافد فيها المواكب الدينية بأعداد غفيرة ُتقدر بالآلاف تطوف فيها الشوارع. مثل هذه المواكب تجبر الصبية الأبتعاد عن الجانب المبلط من الشارع لفسح المجال للمشاركين في هذه المواكب المرور وهم يضعون في أقدامهم النعال والصنادل التي لا تحتاج إلى تلميع.



ولدى البعض من الصبية خط دخل إضافي يتمثل في بيع الخمور، وهنا يتوجب التنويه إلى إن بيع المشروبات الكحولية بحد ذاته غير ممنوع إلا إن المعتقدات الدينية تحرمه مما يعني عدم إمكانية المجاهرة ببيعها. وبعض الصبية يلعب دور الوسيط بين معاقري الخمور وتجارها فبعض الزبائن يتخذ من مسألة تلميع الحذاء ذريعة لتُدس في جيبه بسرية زجاجة مشروب كحولي.



ويبين أحد الصبية الذين يتعاملون بهذا الخط الأضافي ولا يمكن ذكر أسمه لدواعي أمنية : " لا يقوى الزبون وهو سكران على تثبيت قدمه لغرض تلميع الحذاء مما يؤدي إلى إنتشار المادة الصبغية هنا وهناك وإتلافها للمكان ".



لقد تمكن علي من تسهيل شؤونه المعيشية وتعزيز رزقه اليومي من خلال التنسيق مع صاحب مطعم في المنطقة يدعى جبار حيث يراقب علي زبائن المطعم حينما يكون النوادل مشغولين. وذكر جبار إنه ذات مرة قضى علي الليل بكامله يحرس المطعم حينما فرض رجال مليشيا حظر التجوال على المدينة ، وبالمقابل يحصل علي على وجبة فطور هي عبارة عن خبز ساخن في كل صباح كما يجمع بقايا الطعام عند نهاية النهار ليأخذه إلى عائلته ، لكن جبار يؤكد إن علي يصر على دفع ثمن هذا الطعام المتبقي.



وُيبدي جبار مخاوفه وقلقه قائلاً : " أخشى أن يموت علي صغيراً فمن المستحيل أن يستمر في مثل هذا الجو المعيشي الخانق الذي يحيط به الشر من كل جانب دون نصير أوسند له ".



وعند إنتهاء كل يوم يعود علي إلى كوخ عائلته الصغير المبني من القصب الذي ألتجأ إليه أفراد عائلته منذ وصولهم الناصرية.



ويبين علي : " إن مكان عيشنا يفتقر للماء والكهرباء لكني أستطيع أن أستمع إلى صوت التلفاز الصادر عن المقهى الواقع بالقرب من كوخنا " .



وسام طاهر – صحفي متدرب في معهد صحافة الحرب والسلام - الناصرية