Institute for War and Peace Reporting | Giving Voice, Driving Change

التراجع الى الوراء في الوصول الى المعلومات

حجر الزاوية للحكم الجيد هي المعلومات المفتوحة حيث يمكن للمواطنين محاسبة حكومتهم.
By IWPR
. البرلمانات ضرورية وكذلك القضاء. و لكن بالنسبة لي، الديمقراطية الحقيقية هي المسؤولية، ورغم كل الصعوبات والمعوقات، على العراق ان يستمر في سلوك ذلك الطريق.



المشكلة الاساسية في صدام حسين هي انه لم يكن أحد مسؤولا عنه. ذلك هو العامل الوحيد الذي قاد الى كل تلك المآسي تلت وقادت الى دمار بلدنا.



علينا الان بناء ثقافة المسؤولية، ونقطة البداية في ذلك هي المعلومات. والطريقة الوحيدة التي تكون فيها الحكومة مسؤولة أمام الناس هي في معرفة الناس ماذا تنوي عمله.



في العام 2003، وبعد سقوط صدام، فتحت الابواب على مصاريعها و أصبحت المعلومات الموثوقة ممكن الوصول اليها. وصاربامكان الناس معرفة الاوامر التي تصدرها سلطة الائتلاف المؤقتة. تم اعلان ميزانية 2004، وكان بالامكان معرفة تخصيصات كل وزارة. ذلك كان مستوى من المعلومات لم يألفه العراقيون أبدا من قبل.



الآن، ورغم الانتخابات والاستفتاءات، تراجع العراق خطوة الى الوراء عن الشفافية التي تمتع بها آنذاك.



عندما ترسخت الحكومة والبيروقراطية، عدنا الى الطرق القديمة والى النظام القديم، ولم يعد هناك اي معلومات حقيقية.



وتوضيح هذا التراجع الى الوراء بسيط: لدى الحكومات في كل مكان ميل للإنغلاق ان لم تكن تحت ضغط للمكاشفة والتعاون. العراق ليس شاذا في هذا، سوى اننا نسير بسرعة أكبر في هذا الاتجاه بسبب تاريخنا في الحكم المطلق.



نحن نرتد بسرعة الى السرية، وكفرد في المجتمع، فانني لم يعد بامكاني الذهاب واكتشاف الاشياء. ولا استطيع تحدي ما لا اعرفه. ليس بامكاني جعل الحكومة مسؤولة.



ولهذا فان الاعلام والمجتمع المدني الواسع اساسيان لهذه الدرجة. وكعضو في المجتمع، فان الصحف هي الناطق الرسمي لي، انها صوتي. بدون مجتمع مدني قوي يعمل من خلال مؤسسات قوية، من المحتم ان تصبح اية حكومة فاشية.



لجعل الاعلام عمودا مؤثرا في الديمقراطية، ولجعلها فعلا السلطة الرابعة التي تتحدى، فان ذلك يتطلب توافراربعة اشياء.



الاول والاهم، بالطبع، هو شجاعة منتسبي الاعلام. موت العديد من الصحفيين خلال الثلاث سنوات الماضية يعتبر كارثة، لكنهم ابطال ايضا. انهم يتعاملون مع القضايا الخطيرة بمسك ضوء المسؤولية، وفي هذه الايام ، فان هذا النوع من الجرأة ضروري.



الثاني، كفل الدستور حرية الصحافة، لكن ذلك يجب ان يعزز بقانون يصدره البرلمان. هذه اولوية، ومن الضروري ان صياغة مثل ذلك القانون يجب ان يشارك فيه بشكل أساسي الإعلام و الخبراء في قانون الاعلام.



الثالث، الآليات التي تنظم الاعلام يجب ان تكون مستقلة عن الحكومة. لا الحكومة ولا البرلمان عليها ان تشرف وتنظم الاعلام. مهما تكن الآليات المطلوبة فيجب ان تعطى لها صلاحية مصممة بشكل ان يكون مستقلا بنيويا و عمليا، وعلى ان تبقى كذلك.



رابعا واخيرا، على العراق ان يتبنى قانونا لحرية المعلومات. يجب ان يكون هناك اطار قانوني لإعطاء الجمهور، و ممثليهم في المجتمع المدني والاعلام، الحق في معرفة ما تفعله الحكومة وعرض الوثائق التي ينتجها مجمل الادارة- الحكومة، البرلمان، والقضاء. تعمل الاردن على خطط لعمل نفس الشيء، لذا فان العراق لن يكون الوحيد في العالم العربي ان هو انجز ذلك القانون.



سيكون هناك حتما فرق بين مجرد وجود القانون وتطبيقه. قد تخلق الحكومة الكثير من التقييدات لاضعاف حق الوصول الى المعلومات إضعافا شديدا. لكن الشيء الاول هو تثبيت المبدأ وبعدها يمكنك مناقشة الاستثناءات. ولحد ذلك الوقت، انت لا تملك شيئا.



الاولوية الاخرى هي التأكد من ان المعلومات نفسها يتم التعامل معها بشكل اكثر مهنية. قبل ان يحصل المواطن على معلومات من الحكومة، فان على السلطة التنفيذية ان تجمع الحقائق التي ستقوم بالإعلان عنها.



حاليا، فان هذا لا يحدث. لا تضع الحكومة العراقية قاعدة للبيانات بشكل منظم ولا تراكم المعلومات.



لدينا وزارات مضى عليها ثلاث سنين، لكنها بقيت غير عارفة بما يجري في البلد. أسأل وزارة الصناعة عن عدد الشركات التي تم انشائها او عن حجم الاستثمار للعام الماضي، انهم لا يعلمون. مواقع الوزارات الالكترونية عبارة عن كارثة. انها لا تحتوي على هراء فقط، بل انه هراء لم يجر تحديثه منذ عام.



حين يتم سؤال السياسيين من قبل الاعلام، فانهم يعتبرون ذلك مزعجا او في الاقل تدخلا، وليس جزءا عاديا و ايجابيا من عملية المسؤولية.



احد المسؤلين الامريكان قال لي ساخرا انه وبعد سنتين في العراق قد اشتاق الى البيروقراطية. تصور ذلك. ما عناه هو عدم وجود شيء في العراق من قبيل الخدمة المدنية او طرق تأديتها.



في الواقع يجب وضع أنظمة لجمع المعلومات. المتحدثون الرسميون على كل مستويات الحكومة يجب ان يتم تعيينهم كحلقة وصل مع الجمهور، و يجب ان يُفهموا ان وظيفتهم هي اعطاء المعلومات وليس اخفائها. ذلك سيكون انجازا حقيقيا.



تحديد العلاقة بين الحكومة المركزية والاقاليم مهم ايضا، ليس فقط على مستوى السياسة والسلطة، ولكن ايضا من حيث المسؤولية والمعلومات.



ان ارادت السلطات المركزية العراقية الأخذ بزمام الأمور في البلد، عليهم ادارة الاقاليم بشكل مؤثر، وهذا يعني المسؤلية والشفافية على المستوى المحلي، ايضا.



سيكون هذا تحدي من نوع خاص. لا احد في الحكومة يكون راغبا في اعطاء المعلومات طوعيا، وحين يتعلق الامر بالمؤسسات الصغيرة في الحكم، حيث هناك ضغط شعبي اقل وعلاقات شخصية اقوى، قد يكون هناك ميل اقل لاعطاء المعلومات.



لكن حكومات الاقاليم نفسها ستبحث عن المعلومات. اذا شاطرت الحكومة المركزية المعلومات مع ادارات الاقاليم، فقد ينضمون الى الحكومة المركزية في حجب المعلومات عن الجمهور- في نوع من مؤامرة السكوت.



واذا حجبت السلطات المركزية المعلومات عن الحكومات المحلية، فان الاخيرة قد تنضم الى الجماهير و تصبح حليفا لها في الضغط من اجل حرية المعلومات. انه مفارقة عراقية غريبة.



هناك قدر كبير من التهكم والوضع الامني سيء الى الحد الذي قد يبدو فيه انه وقت غير مناسب للحديث عن المسؤولية او حتى الديمقراطية.



لكن علينا ان لا نفقد الامل، وانا كلي امل. في الحقيقة، الكلام عن الديمقراطية الان اكثر اهمية من اي وقت مضى.



حتى في خضم الارهاب والمسلحين، يجب ان يحس الجمهور ان الحكومة ليست في حالة حرب معهم. هم بحاجة الى ان يحسوا بكون الحكومة اكثر من مجرد سلطة، لكنها مؤسسة تحاول حقيقة تقديم الخدمة لهم.



مفيد جدا كسب الجماهير بدلا من تحييدهم، وافضل طريقة لبناء الولاء والاخلاص هي حينمات حس الجماهير باستجابة الحكومة لهم.



طبعا، سيستخدم البعض الاعذار الاعتيادية- نحن في حالة حرب. استخدم صدام ذلك طوال الوقت. كل العالم العربي يفعل ذلك. لا يمكننا ان تكون لنا الديمقراطية لاننا في حالة حرب، لا يمكننا اجراء انتخابات، لا يمكننا اطلاق حرية المعلومات والصحافة.



لكننا كنا في حروب لعقود، اما كفانا هذا.



المسؤولية لا تتحقق بعد حل مشاكلنا. على العكس تماما، انها احد الشروط المسبقة التي ستضعنا على طريق الديمقراطية و أخيرا السلام الكامل.



رند رحيم: المديرة التنفيذية للمعهد العراقي