Institute for War and Peace Reporting | Giving Voice, Driving Change

الأكراد يستذكرون جحيم 'الأمن الأحمر'

افتتاح أحد أبشع مراكز التعذيب وحشية في نظام البعث أمام الجمهور، بعد (14) سنة من الانتفاضة الكردية
By Rebaz Mahmood

كان هيوا جمال وخمسة من أصدقائه على ظهر الدبابة "ت ـ 55" ولكنهم كانوا يحملون الزهور بدلاً من أسلحة الحرب. وكان الطلاب يبتسمون وهم يحملون براعم أزهار النرجس امام عدسة آلة التصوير وهي تلتقط صورتهم.


ان الدبابة هي جزء من معرض أقيم في موقع كان يعرف مرة باسم "الأمن الأحمر"، لأن جدرانه الخارجية كانت مطلية باللون الأحمر، مما يشكل انعكاساً مرعباً للمعاناة في داخله، حيث كان يجري تعذيب الأكراد وقتلهم بالآلاف.


وفي ذكرى الانتفاضة الكردية يوم السابع من آذار/ 1991 ضد نظام صدام حسين، فقد تحولت بناية الأمن الأحمر الواقعة شمالي مدينة السليمانية الى متحف يستقبل الزوار ليتعرفوا على تاريخ نضال هذه المنطقة من أجل الحكم الذاتي.


لم يكن أحد قبل (14) سنة ليجرؤ على الاقتراب من هذه البناية، وكان يقال انه حتى الطيور لم تكن تجرؤ على ان تحط هنا. لكن الآن، وبعد ان ولى نظام صدام، يقف الطلاب عند الممر الأمامي، يرددون نشيدهم الوطني، ويلوحون بالعلم الكردي ويوزعون باقات الورد.


ويتألف "الأمن الأحمر" من ست بنايات. أحدها يضم ادارة المقر فيما تحتوي الأبنية الباقية على الزنزانات ـ وحجم كل زنزانة منها لا يتجاوز المترين المربعين.


وفي داخل مكتب مدير الأمن الذي كان يصدر الأوامر باعتقال وتعذيب الأكراد، توجد الآن أقفاصاً كبيرة معلقة تضم ما يقارب (70) حمامة. وقال سروار عبد الله، مرشد المتحف "ان هذه الطيور ترمز للسلام الذي ينشده الأكراد."


ان المجموع الكلي للأشخاص الذين اعتقلوا وعذبوا وقتلوا غير معروف، لكن عبدالله يقدر ان (700) كردياً قد أعدموا هنا عامي 1989 و1990 فقط. وقد استهدف أولئك الذين أمضوا أيامهم الأخيرة في هذه الزنزانات بسبب ارتباطهم مع المعارضة الكردية او قوات البيشمركة.


وبالنسبة للطلبة فان القيام بجولة ما بين غرف التعذيب والزنزانات والمشرحة في "الأمن الأحمر" قد سببت لهم الصدمة والحزن.


وقد شعر الشباب هذا الأسبوع بالأحاسيس التي قربت لهم صور الماضي عندما حضر الناجون من هذا السجن المرعب للمشاركة في احياء الذكرى ورواية القصص عن أيامهم التي أمضوها كمعتقلين في هذا المكان.


وقال طارق غفور الذي اعتقل في السجن لما يقارب السنة قبل ان يتم تبادله مع ضباط مخابرات بعثيين كانوا أسرى لدى الأكراد في كانون الثاني عام 1991، "كنا محشورين في غرفة مساحتها (4×7) متر، وكان يحشر فيها بشكل دائم ما يقارب (100) شخص. كنا في بعض الأحيان ننام وقوفاً."


وكان هناك قسم خاص بالنساء المعتقلات، مساحته (5×7) متر ومصمم ليستوعب (50) نزيلة. ولكنه اكتظ بأكثر من (200) سجينة عام 1988.


وقال طارق وهو يتحدث الى الشباب الذين أحاطوا به "لن أنسى أبداً عندما أطلق الرصاص حتى الموت على عمتي العجوز وابنها عند الممر الأمامي لهذه البناية."


وقال كامران عزيز الذي اعتقل هنا للفترة من كانون الثاني وحتى تشرين الأول عام 1990 الى الطلبة "مع ان سراحي قد أطلق قبل (15) سنة، فانا أزور البناية مرة في الشهر." وبينما كان يصف اليوم الأول من أيام سجنه أخذ بعض الطلبة في البكاء بهدوء.


وقالت طالبة الثانوية حسنة جمال "لقد ولدت بعد الانتفاضة. لكنني أبكي الآن من أجل أولئك الرجال والنساء والأولاد والفتيات الذين تعرضوا للتعذيب وأطلقت النار عليهم وأعدموا هنا."


وقد ضم المتحف كذلك قسماً مخصصاً لضحايا حملة الأنفال للتطهير العرقي التي شنها نظام البعث ضد الأكراد للفنرة من عام 1987 حتى خريف عام 1988، التي قتل خلالها (182) ألف كردي مع تدمير ما يقارب (5) آلاف قرية. وقد ألصقت على جدران القاعة الكبيرة (182) ألف قطعة من زجاج المرايا تعكس ضوء آلاف من المصابيح الصغيرة التي غطت الجدران من أجل ان ترمز للأشخاص الذين فقدوا حياتهم.


ثمة الكثير من الشواهد المرعبة التي تذكر بالأهوال التي ارتكبت في كردستان. ويظهر في احدى الصور شخصان باللباس العسكري يحملان جثة بلا رأس. وهما يبتسمان ويرسمان علامة النصر أمام آلة التصوير. وقال عبد الله، مرشد المتحف "انهما من رجال المخابرات والجثة تعود لمقاتل من البيشمركة قاما بقطع رأسه."


وتستذكر المعروضات أيضاً القصف الكيمياوي للمدن مثل حلبجة، التي قتل فيها ما يصل الى (5) آلاف شخص معظمهم من النساء والأطفال.


وقال عبد الله "هذه شظية من قذيفة كيمياوية استخدمت في حلبجة. وهذه أيضاً قنبلة نابالم لم تنفجر استخدمت في منطقة كردية أخرى." هذه المعروضات تشكل جزءاً يسيراً فقط من الأسلحة العديدة في الترسانة التي استخدمت ضد الأكراد.


وعند زيارتك لهذا المتحف الآن يجعل بمقدورك الاحساس بالخوف والتعاسة اللتين امتلأ بهما قبل سنوات مضت، لاسيما في مركز التعذيب حيث ما تزال كلابات التعليق موجودة. ويوضح تمثال كيف كانت تربط أيادي المعتقلين خلف ظهورهم، ثم تعلق بالكلابات في السقف. ويبقون هكذا، عراة لساعات في كل مرة يعلقون فيها.


وفي حديث مع مندوب معهد صحافة الحرب والسلام قال كروان قادر، الناشط في اتحاد الطلبة والذي نظم الزيارة الى متحف "الأمن الأحمر" "نحن نجلب الطلبة والجيل الجديد باستمرار الى هنا، حتى يمكن لهم ان يفهموا ماضيهم ويدركوا مالذي أنجزناه اليوم."


*ريباز محمود ـ صحفي تحت التدريب في معهد صحافة الحرب والسلام في السليمانية