Institute for War and Peace Reporting | Giving Voice, Driving Change

الأصداء الأيجابية والسلبية لتقاعد الأكراد المقاتلين

رجل طاعن في السن عضو سابق في مجاميع ُمسّلحة (عصابات) يعمل حالياً في الطرقات كبائع
By IWPR Iraq
.



خلال العشرين سنة الماضية شاهد مرحلة التطور التي بلغها أصغر زبائنه وإزدهار وأغتناء الأحياء الفقيرة ، وهو حالياً على مشارف السبعين من العمر ُمثقل بالأمراض المزمنة لكنه لا يستطيع أن يتقاعد أو يترك عمله.



في جولاته اليومية في شوارع محلة باراياتي الشرقية لغاية حي الشرطة الشمالي هو لا ينفك يتأمل في مسيرة حياته التي لم تجري كما ينبغي أو التي لم تكتمل.



رجل طويل القامة ذو عينين زرقاوين لامعتين يمضي وقته متسائلاً بينه وبين نفسه هل كان سيكون هذا حاله بائعاً للحلوى لو لم ينخرط عندما كان في العشرين من عمره في حرب العصابات الكردية ضد بغداد مُستدركاً: " هؤلاء الذين آثروا البقاء بعيداً كمدنيين يمتلكون حالياً متاجراً ، فلو ُكنت قد بقيت في أربيل ولازمت عملي لما كنت أدفع بهذه العربة اليوم ".



يقول عبد الله محمد بأنه ترك ورائه تجارة الماشية المزدهرة وأسرة شابة لينضم إلى المتمردين الأكراد المعروفين بالبشمركه.



ويستطرد ُمضيفاً " لم يسمح لي كبريائي أن أخبىء نفسي بين النسوة بينما ُتقاتل قوات البشمركه في أعالي الجبال ، كما سأمتُ رؤية العرب ُيرهبوننا " .



في منتصف القرن الماضي قام عشرات الألوف من الأكراد الشباب بزعامة مصطفى برزاني قائد قومي آنذاك لحمل السلاح ضد حكومة العراق المُهَيمن عليها من قبل الغالبية العرب.



أثارت الأنتفاضات من وتيرة الأعمال الأنتقامية الشرسة والتي قادت في النهاية إلى قيام صدام حسين بإرتكاب جرائم الإبادة الجماعية بحق الأكراد خلال حقبة الثمانينات.



من جانب آخر تمكن الأكراد من السيطرة على ثلاث محافظات في شمال العراق إبان هزيمة العراق في حرب الخليج عام 1991 ، لكن بعدها تنازعت الأحزاب الكردية فيما بينها على الأقليم الجديد المتحرر أخيراً من قبضة بغداد.



منذ عام 2003 شهدت المنطقة الكردية حالة من الهدوء والسلم إلى حدٍ كبير لا سيما بالمقارنة مع مناطق أخرى من العراق ، وقد شدّ الأستقرار الحاصل في المنطقة إلى جانب النفط الأحتياطي الغير مستغل أنظار المستثمرين وحقق تنفيذ مشاريع بناء عملاقة في المدن الرئيسة في تلك المنطقة.



وبالرغم من حقيقة عدم وجود دولة مستقلة للأكراد إلا أنهم حصلوا على حكم ذاتي ضمن العراق ، لكن بقيت العلاقة مع بغداد متوترة.



واليوم يسيطر الزعماء المتنافسين وأتباعهم ضمن الكفاح المُسّلح على حكومة أقليم كردستان ، وقد تقدم ما يقرب من 50000 من الأفراد السابقين في قوات البشمركه بطلب الحصول على تقاعد شهري من الحكومة . وهنا تجدر الإشارة إلى إنه لا يحق لعبد الله محمد أن يتقدم بطلب الحصول على تقاعد أسوةً بأقرانه لكونه يستلم راتب تقاعدي قدره مائة دولاراً شهرياً عن خدمة سابقة له كان قد أمضاها في معمل حكومي للسكائر.



ويؤكد محمد إن السنين التي أمضاها في ساحات المعارك قد علمته درساً نافعاً يمكن التعبير عنه بالقول: " الرجل الفقير هو دائماً كبش الفداء الذي لا يحظى بالتقدير والثناء مهما فعل " .



في مقهى في أربيل حيث يقضي أفراد سابقين متقاعدين من البشمركه معظم وقتهم يقول بعضهم بأنهم يرثون حال رفيقهم السابق الأكبر سناً الذي ما يزال يكدح من أجل لقمة العيش.



ويرجح زملاؤه إن محمد لم يحظى بالراتب التقاعدي لعدم إشتراكه في الحرب الأهلية التي خاضتها الأحزاب الكردية المتنافسة خلال عقد التسعينات.



ويقول أحدهم ويدعى الحاج زكريا : " لم يدرك إن ولائه لكردستان غير كافي فالحزب هو الذي يُكافىء أما كردستان فليس لها من وجود ولن يكن لها أبداً ".



وأكد مسؤولون أكراد إن القوانين الحالية لا تسمح للأفراد السابقين في البشمركه طلب أكثر من راتب تقاعدي واحد من الحكومة الأقليمية.



لكن نجد من جانب آخر تصريح المتحدث بأسم الوزارة الكردية المسؤولة عن البشمركة السيد جبار ياور لمعهد صحافة الحرب والسلام ، إن النظام التقاعدي لم يميز في معاملة المحاربين القدامى الذين لم يشتركوا في الحرب الأهلية.



ويتابع ياور قوله " ليس هنالك من فرق بين أفراد البشمركه الذين أشتركوا في الحرب الأهلية والذين لم يشتركوا ، فمنح الراتب التقاعدي يعتمد على مجمل سنين الخدمة والرتبة ".



ويؤكد ياور على إن مقدار الراتب الشهري الحالي يتراوح ما بين 60000 إلى 1200000 دينار عراقي (50-1000) دولار ، ُمضيفاً إن قانوناً جديداً ُيدرس حالياً من شأنه إدخال زيادة على الراتب التقاعدي ليصبح ما بين 260000- 2000000 دينار عراقي (240- 1800) دولار.



وفقاً لما جاء به ياور سيَسمح القانون الجديد للبعض مثل عبد الله محمد أن يختار ما بين الرواتب التقاعدية المتاحة فإذا كان مشمول براتب تقاعدي ممنوح من قبل الدولة ويرغب في الحصول على الراتب التقاعدي المخصص لذوي الخبرة الطويلة من المحاربين القدامى فهو ُمخيّر بين هذا أو ذاك.



وُيبين محمد بصراحة رغبته في أن يكون ضمن المتقاعدين الذين يستمتعون بقضاء معظم أوقاتهم في المقهى لكنه يستدرك قائلاً " لكن بوجود ثلاث بنات مسؤولاً عن إعالتهم فعلي العمل " .



وتجدر الإشارة إنه يجمع من خلال جولته اليومية في شوارع أربيل كبائع للحلوى ما يقارب 170000 دينار عراقي شهرياً أي ما يعادل 150 دولاراً في الشهر.



ويصف محمد وضعه أثناء ذلك فيقول " أحياناً أشعر بتعب شديد وبجسدي يرتعش بالكامل فعندها أجلس على الرصيف لحوالي 15 دقيقة للأستراحة ، وحتى إن كنت جائعاً لن أسمح لنفسي بتناول قطعة حلوى مما هو بحوزتي ".



تقول سيدة في منتصف العمر لم ترغب الكشف عن هويتها وتقطن في الحي الذي عادةً ما يمر به محمد في جولة عمله اليومي إن محمد كان قد رفض معونات مالية حينما كان مريضاً.



وُتضيف ُمبينة ً " يمتلك محمد عزة نفس كبيرة " وتستذكر كيف أنه عمل لساعات إضافية على مدى ثلاث سنوات من أجل توفير المال اللازم لدفع تكاليف عملية جراحية في حنجرته.



ويوضح محمد إن المدينة التي أبتدأ منها مشوار العمل في بيع الحلوى قبل حوالي عقدين من السنين لم يعد له فيها من نشاط ُيذكر أو من وجود فقد أحدث الثراء فعله في تركيبتها الأجتماعية.



كما يسترسل في حديثه فيقول " أمتازت بيوت أربيل القديمة بأحتوائها على حدائق يجلس فيها الأصدقاء يشربون الشاي لكن البيوت الحديثة تكاد تكون أشبه بالفنادق أو هي أصبحت وسيلة لتباهي الناس بما يمتلكون من ثروات ".



ويستذكر محمد الماضي الجميل الذي كانت فيه القيم الطيبة توثق أواصر المعرفة الودية بين كل الناس ضمن الجوار بينما نجد في الوقت الحاضر عائلتان تسكنان جنباً إلى جنب ورغم ذلك لا تربطهما أية صلة ولا يعرف أحدهما الآخر ومع ذلك يدّعون الأسلام. هم يذهبون للمساجد للتباهي بسياراتهم الفاخرة وبساعاتهم المصنوعة من الذهب بدلاً من التفكير في أمر وحال الشخص الفقير.



يتميز تعامل محمد مع الزبائن بمزاج لطيف ُمرّحباً بالصغير والكبير على حدٍ سواء ، وغالباً ما ينادوه الناس بالمَام (أو العَم) عبد الله.



حينما يمر محمد بعربة الحلوى يتوقف قليلاً ليعطي مصاصة مجاناً لصبي صغير يراه ُمغرماً جداً بالحلويات ، ويتناول بإمتنان قدح من عصير الليمون ُيقّدم له مُصراً في الوقت ذاته على تعويض ذلك بتقديمه اللبان (العلكة) كبديل.



يؤكد محمد هنا " أنا لا أقبل بإعطائي أي شيء مجاناً " .



كم تمنى محمد التخلي عن العمل المفروض عليه لكنه في الوقت نفسه يؤمن إن فترة الصراع الذي عاصره كان له مردوداته الخاصة به أيضاً.



ُيشّدد محمد على القول وهو يدفع قليلاً بعربته " أنا لم أقاتل في سبيل المال ، يكفيني أن أجد شباب اليوم ينعمون ببعض الحرية ".



في هذه الأثناء َيضطره ُمراهق يقود مركبة والده الرباعية الدفع وُيومض طويلاً بأضويتها إلى إنحرافه عن خط مسيره.



ناباز جلال – صحفي متدرب في معهد صحافة الحرب والسلام – أربيل



كما ساهم في إعداد هذا التقرير:



نجيبة محمد – صحفية متدربة في معهد صحافة الحرب والسلام - أربيل