Institute for War and Peace Reporting | Giving Voice, Driving Change

الأتراك والكرد العراقيون لا يدعون السياسة تعرقل المشاريع التجارية

ما تزال العلاقة بين الإثنين باردة، في حين تزداد التجارة والروابط الإقتصادية الأخرى إزدهارا.
By IWPR Iraq
.



هناك مشاريع الإعمار في جميع أنحاء شمالي العراق، في حين تتكدس على رفوف المتاجر الكبيرة في الإقليم منتجات استهلاكية مستوردة من خارج الحدود.



الا أن المحللين قالوا لمعهد صحافة الحرب والسلام أن هذا النشاط التجاري يعكس إلى حد كبير انتهازية المؤسسات التركية، أكثر من أن يكون تعاون أعمق بين تركيا وكردستان العراق.



يقولون أنه بينما يمكن أن يكون ازدياد حجم التجارة ساعد في تخفيف حدة التوترات، وبناء علاقات سياسية أقوى- وتأمين اعتراف تركيا بالحكم الذاتي للإقليم- إلا أنه من المرجح أن يكون ذلك عملية طويلة وغير مؤكدة.



باعتبار تركيا بوابة كردستان للتجارة والتواصل مع بقية العالم، تبرز أهميتها من ناحية كونها تشكل المنفذ البحري لكردستان المحاطة بالأرض. تعتمد أنقرة، في نفس الوقت، على تجارة الحدود مع شمالي العراق لجلب الإيرادات لمحافظات الجنوب الشرقي الفقيرة من البلاد.



أثناء حكم صدام، كانت تركيا تتمتع بعلاقات وثيقة مع الأحزاب الكردية. وكان الرئيس العراقي جلال طالباني، وهو كردي، يحمل جواز سفر دبلوماسي تركي حتى وقت قريب.



قاتل الحزبان الكرديان الرئيسان الى جانب الجيش التركي و كذلك بشكل منفرد ضد حزب العمال الكردستاني، PKK، في أواخر التسعينيات، في حين كان لتركيا دور حاسم لبروز كردستان العراق من خلال توفيرها قاعدة للطائرات العسكرية الأمريكية والبريطانية التي كانت تقوم بدوريات في منطقة حظر الطيران على شمالي العراق.



لكن اليوم ساءت العلاقات بسبب استمرار وجود متمردي حزب العمال الكردستاني في جبال قنديل شمالي العراق.



عُلق حزب العمال الكردستاني وتركيا في صراع مرير طوال السنوات الـ 25 الماضية و الذي أودى بحياة الآلاف في المنطقة. يقول حزب العمال الكردستاني أنه يدافع عن الكرد والأقليات الأخرى في تركيا، التي تتهم جماعات حقوق الإنسان أنقرة بقمعها.



قاومت حكومة إقليم كردستان دعوات تركيا للمساعدة في هزيمة الإنفصاليين- الذين يُعدُّون إرهابيين في نظر كل من أنقرة وواشنطن- قائلة إنه لا يمكنها التصدي لهم في مثل هذه التضاريس الوعرة.



في غضون ذلك، ترفض الحكومة التركية الإعتراف بالحكم الذاتي لحكومة أقليم كردستان، خشية أن يؤدي ذلك إلى تشجيع حزب العمال الكردستاني على إحداث شرارة الإنتفاضة بين الأقلية الكردية الكبيرة في تركيا، بل ويمكن أن يؤدي إلى تقسيم البلاد.



في أيار، عقد أول اجتماع بين القادة الأتراك والكرد الحاليين- حيث جرى بحث أفضل السبل للتصدي لحزب العمال الكردستاني، فضلا عن الإستثمار التركي في كردستان- والذي حدث في بغداد.



إزدهار الإستثمار



جاء التقدم السياسي المفاجئ في ظل ازدهار التجارة بين الطرفين.



في السنوات الخمس الماضية منذ الإطاحة بنظام صدام، ارتفعت قيمة التبادلات التجارية. وتقدر الآن بأكثر من ثلاثة مليارات دولار أمريكي سنويا، ويتوقع اقتصاديون أن هذا المبلغ سيرتفع بنسبة 250 في المئة على مدى السنوات القليلة المقبلة.



اليوم، تنقل آلاف الشاحنات كل يوم، مواد البناء والسلع الاستهلاكية التي تعبر من خلال نقطة عبور الخابور من تركيا إلى شمالي العراق.



لقد تم تسجيل ما يقارب 500 شركة تركية حتى الآن في كردستان العراق مما وفرت الوظائف والثروة في الإقليم الذي لطالما أهمل في ظل حكم البعث.



تستهلك المنتجات التركية، التي هي بنوعية أفضل بكثير من السلع المستوردة من إيران وسوريا، بشغف في الإقليم. بإمكان العراقيين في الشمال شراء كافة أنواع المواد من السوبرماركتات المصصمة على الطراز الأمريكي، بينما تظهر محلات الأزياء الغربية في أنحاء أربيل، وهي عاصمة الإقليم.



قالت بيان سامي عبد الرحمن، ممثلة سامية لحكومة إقليم كردستان في المملكة المتحدة (بريطانيا)، إن "الناس هنا يشعرون بالرغبة تجاه الموضة التي تأتي من تركيا والتي تبدو أكثر أوروبية قليلا عن تلك القادمة من الإمارات أو دبي- إنه شيء جديد و ممتع".



وأضاف "في محلاتنا ومتاجرنا الكبرى، سترى العديد من البضائع التركية، لذا فإن هناك قدر كبير (من النشاط التجاري) يجري هنا والذي يساعد السوق، يساعد الإقتصاد، وهو قادم من تركيا".



فضلا عن السلع الإستهلاكية، تعتمد كردستان العراق أيضا على تركيا في تجهيز نحو عشرة بالمئة من احتياجاتها من الكهرباء.



ويجني الجار القوي للعراق أيضا ثمار النمو السريع في العلاقات الاقتصادية.



قال فادي هاكورا، زميل في مؤسسة كثام هاوس للشؤون الدولية، إن "تركيا تحتاج هذه التجارة [مع شمال العراق] في محاولة لزيادة الإزدهار في جنوب شرق تركيا والتي تتضمن بعض المناطق الأكثر فقرا في البلاد".



وأضاف أن "[الاستثمار في كردستان] هو طريق الحياة الاقتصادية المهمة للغاية بالنسبة لجنوب شرق تركيا- خاصة عند الأخذ بالإعتبار حقيقة أن 15.000 عامل من تركيا يعملون في شمال العراق.



أشار بعض المراقبين إلى أنه من خلال الإستثمار في الإقليم، تسعى تركيا، على نحو ما، لنشر نفوذها هناك.



قال أيوب أنور سماقةيي، وهو محاضر في الإدارة والاقتصاد بجامعة صلاح الدين إنه "عن طريق [عرض] المنتجات، الإعلانات والخدمات [في شمال العراق]، فإن تركيا تستطيع أن تنشر الثقافة التركية وتبني مكانة اقتصادية قوية من خلال هذه العلاقة".



يعتقد جبار قادر أيضا، خبير في العلاقات التركية- الكردية ومحاضر في قسم التاريخ في جامعة كوية، أن تركيا تستثمر في الإقليم لزيادة تاثيرها السياسي هناك.



وقال "أية كانت الأعمال التي تقوم بها تركيا في الإقليم، وراءها دوافع سياسية".



إن افتتاح جامعة تركية جديدة في كردستان العراق الشهر الماضي لقي ترحيبا من جانب القادة الكرد باعتبار ذلك خطوة نحو بناء علاقات رسمية أقوى.



وقال رئيس وزراء كردستان العراق نيجيرفان بارزاني في حفل الإفتتاح إن "افتتاح هذه الجامعة تعني بناء جسر آخر في علاقاتنا؛ جسر من شأنه أن يقودنا إلى النهج الصحيح".



تأثير تعزيز التعاون



لكن في حين يبدو أن تركيا مقتنعة بالقيام بغزو كردستان إقتصادياً و ثقافياً، إلا أنها لا تريد قبول الإقليم سياياً.



وقال هاكورا إنه "على الرغم من أن الحكومة التركية تدرك الأهمية الاقتصادية للعلاقة، هذا لا يعني أنهم على استعداد للتضحية بما يعتبرونه مصالحهم السياسية- أي منع ظهور أي نوع من كردستان مستقلة في شمال العراق".



يشير المحللون إلى مفارقة قيام تركيا بالمساعدة في بناء هذه المنطقة المتمتعة بحكم ذاتي، في حين إنها لا تزال تعارض بشدة طموحها في الإستقلال.



قال أستاذ العلوم السياسية مايكل كونتر بالجامعة التكنولوجية في ولاية تينيسي "إنها تعطي الشرعية الإقتصادية لكردستان العراق و لكن من جهة أخرى لا تزال تركيا تعارضها سياسياً، لذا فإن الأمر كما لو تكون اليد اليسرى لتركيا لا تعرف ما تفعله يدها اليمنى".



في الوقت الذي تظهر فيه سياسة تركيا غير متسقة، تبدو رغم ذلك انها بقيت على حالها حتى خلال الفترات التي تصاعدت فيها التوترات.



في ذروة الهجمات التركية على مقاتلي حزب العمال الكردستاني في كانون الأول 2007، عندما شن الجيش التركي هجمات عبر الحدود- وهي الخطوة التي أدانتها حكومة إقليم كردستان- بيد أن طريق إبراهيم الخليل التجارية بقيت مفتوحة.



في الوقت نفسه، شاركت العشرات من الشركات التركية في معارض صناعية دولية أقيمت في أربيل والسليمانية، وهي ثاني أكبر مدن الإقليم.



قال دارا جليل خياط، رئيس الغرف التجارية والصناعية في كردستان، إن "الروابط التجارية نادرا ما تتأثر بالموقف السياسي، لذا فإن العلاقات التجارية والاقتصادية بين تركيا والإقليم في تطور مستمر".



ويشير البعض إلى أنه في حين أن العلاقات السياسية مشحونة، إلا أن الصداقة موجودة بين السياسيين من كلا الجانبين.



قال فلاح مصطفى، مسؤول مكتب العلاقات الخارجية لإقليم كردستان، إن "هناك علاقات شخصية بين المسؤولين الكرد والأتراك، ولكننا نريد تعزيز وبناء هذه العلاقات على أساس القوانين و الضوابط الدولية".



التغيير في الأفق؟



يشير المراقبون إلى عدة عوامل سياسية التي يمكن أن يكون لها تأثير على تطوير العلاقات التركية والكردستانية العراقية.



تستعد القوات الأمريكية للإنسحاب من العراق خلال السنتين المقبلتين، الأمر الذي يعزز موقف تركيا بالنسبة لأكراد العراق.



يجب أن تحل أيضا مشكلة كركوك المتفجرة. ترغب سلطات كردستان العراق في تسوية وضع المدينة الغنية بالنفط والمتنوعة قوميا، عن طريق الإستفتاء، ووضعت فقرة لهذا الغرض في دستور البلاد.



لكن هذا الإستفتاء العام، الذي كان من المقرر أن يجري في كانون الأول من العام الماضي، يبدو انه قد تم تأجيله إلى أجل غير مسمى- في جزء منها، نتيجة للضغوط التركية القوية.



يقول محللون إن الأتراك قلقون من أن تقوم حكومة إقليم كردستان باستيعاب كركوك، ويمكن لها أن تستخدم أموال النفط في المساعدة بإقامة كيان كردي مستقل وغني، والتي يمكن عندئذ للجنوب الكردي المضطرب على نحو متزايد البحث عن علاقات معه.



إن مشكلة الانفصاليين الكرد تشكل نقطة خلاف إضافية والتي سيكون من الصعب التغلب عليها بما أن أيا من الجانبين ليس على استعداد للتنازل.



قال مسؤول رفيع في أحد الأحزاب السياسية الكردية، فضل عدم الكشف عن اسمه، لمعهد صحافة الحرب والسلام إن "لا الأوك [الاتحاد الوطني الكردستاني] ولا [الحزب الديمقراطي الكردستاني] سينضم إلى الجبهة التركية ويقاتل حزب العمال الكردستاني مرة أخرى".



في الوقت نفسه، لا تزال أنقرة حريصة على استغلال الاحتياطيات الهائلة من النفط، وربما الغاز، والتي يعتقد أنها لم تستخدم بعد في كردستان العراق.



ذكر هاكورا أن "هناك خطوط موجودة فعلا تنقل النفط من شمال العراق إلى تركيا، للتصدير إلى الأسواق الخارجية، لذا فإن تركيا تريد تطوير علاقات الطاقة هذه".



مع وجود العديد من العوامل المؤثرة، فمن غير المؤكد كيف ستتطور العلاقة بين تركيا وكردستان العراق.



قال زميل أقدم بمعهد بروكنكز مايكل أوهانلون إن "هذا يتوقف في الأغلب على كردستان- إذا استمرت في تقييد طموحاتها في الإستقلال، فإن الأمور ستكون بخير، ربما".



يعتقد بعض المحللين أنه كلما تعمق هذا التعاون الإقتصادي، فإن العلاقات السياسية تكتسب دفء حقيقي.



وقال جوست هلترمان من المجموعة الدولية لمعالجة الأزمات، ICG، "خلال الأشهر الستة إلى الثمانية الماضية فقط، كان هناك تحسن سريع في العلاقات بين الجانبين".



التقى الرئيس إقليم كردستان مسعود البارزاني بمسؤولين أتراك لأول مرة في غضون ثلاث شنوات في بغدا في شهر تشرين الأول الماضي. قال هلترمان أن ما يلفت النظر هو تم عقد إجتماع ثان في أربيل في 28 من تشرين الأول.



وأضاف هلترمان "سنرى ذلك ينتقل إلى مستويات أعلى على نحو متزايد في كل الأوقات"، متوقعا ازدياد التجارة أكثر معززا العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية بين تركيا وإقليم كردستان.



وذكر أن هناك "مسألتين قسمتهما- حزب العمال الكردستاني ومسألة كركوك. و هاتين المسالتين لم يتم حلهما، ولكنهما يتباحثان بشأنهما".



وقال "يمكنهما التحدث بشأنهما بطريقة عقلانية، واعتقد أنهما سيكونان قادرين على إيجاد نوع من الحل الوسط لا يُسعد أي من الطرفين بشكل تام، لكنهما يستطيعان العيش مع أي حل سيجدانه".



وأضاف "لكن هذا لا يزال يستغرق بعض الوقت. لا أقول إن هذا سيحدث خلال الأشهر القليلة المقبلة- يمكن أن يستغرق الأمر سنة أخرى أو سنتين".



قالت رحمن إن إقليم كردستان حريص على الحفاظ على "علاقات جيدة وودية" مع جارتها القوية.



وأضافت أن "تركيا قد تنضم يوما ما إلى الإتحاد الأوروبي، فهي جزء من حلف الناتو- وهي لاعب كبير في الشرق الأوسط".



وتابعت بالقول "إنه أيضا من مصلحة تركيا أن يكون لها علاقات طيبة مع إقليم كردستان العراق والعراق ككل".



وأضافت "أعتقد أن الأمور ستكون أفضل، لكن هذا لا يعني أنها ستكون على نحو سلس أو أنها ستكون سريعة. في كثير من الأحيان، هذه الأمور تستغرق وقتا، لكننا على استعداد للعمل على ذلك بأية طريقة مناسبة".



وقال كونتر هناك دليل على تحسن في العلاقات السياسية يتسم بالتقدم البطيء جداً، في المواقف التركية في السنوات الأخيرة.



وأفاد كونتر، وهو عضو مجلس إدارة المفوضية المدنية التركية التابعة للإتحاد الأوربي والتي أنشئت لتشجيع انضمام تركيا إلى الإتحاد الأوروبي، "ببطء شديد، تقترب تركيا من قبول فكرة الكرد".



وأضاف "لكن ما إذا كان هذا سيحدث بسرعة كافية لتلبية متطلبات الكرد وباقي العالم في منطقة الشرق الأوسط السريعة التغيير، لا أعرف".



ومضى بالقول إن تقدم تركيا التدريجي نحو تلبية شروط الإنضمام للإتحاد الأوروبي يمكن أن يساعد في تطبيع العلاقات مع كردستان العراق.



بدأت البلاد مفاوضات الإنضمام للإتحاد الأوروبي في العام 2005، وإن نجاح محاولتها يعتمد على الدفع بإتجاه الإصلاحات السياسية ومعالجة المشاكل الاجتماعية-الاقتصادية التي يواجهها الكرد الذين يعيشون في تركيا.



وقال "إذا لبت تركيا معايير كوبنهاكن [القواعد التي تحدد ما إذا كان البلد مؤهلا للحصول] عضوية الإتحاد الأوروبي، فإنه سيعطي إلى حد كبير الكرد ما يريدوه في تركيا، واعتقد أن هذا من شأنه أن يؤدي إلى أن تصبح تركيا أقل ارتيابا من أكراد العراق".



وأضاف أن "الإستثمار الاقتصادي الذي قامت به تركيا في كردستان العراق أعطى تركيا حافزا سياسيا إلى أن تعترف بحذر بما أنجزه الكرد [في الإقليم].



كارولين توش محررة في معهد صحافة الحرب والسلام- لندن و محمد شيخ فاتح صحفي تدرب في المعهد بالسليمانية