Institute for War and Peace Reporting | Giving Voice, Driving Change

استعداد تجارة الطيران للانطلاق

مؤشرات لامعة على تعافي قطاع الطيران بالرغم من مواجهته مشاكل عديدة
By Mohammad Furat

محمد فرات (تقرير الازمة العراقية رقم. 336، 12 ايار-2010)

أثناء سياقة سيارة ستافورد كلاري الانيقة بسرعة 200 كلم في الساعة على أحد مدارج مطار اربيل، لا تملك إلا ان تشعر بالدهشة أمام هذا المطار الذي يعتبر من أحدث ما بني في الشرق الاوسط.

وكلاري هو المدير الامريكي لمطار اربيل الدولي المصمم بريطانياً، الذي بلغت تكاليف انشائه 400 مليون دولار امريكي. وهو عبارة عن مجمع رائع ضخم قادر على استيعاب 4 ملايين راكب سنوياً وله خامس أطول مدرج في العالم، اذ يبغ طوله 4 كلم و 900 م.

وبعد اربعة اعوام من اعمال البناء، سيكون افتتاح مطار اربيل الدولي المقرر في العاشر من حزيران المقبل، أحدث تطور في قطاع النقل الجوي العراقي الذي يراه بعض الخبراء في كامل استعداداته.

لكن صناعة النقل الجوي تواجه مشاكل عديدة، بدءاً من مخاطر اسقاط المتمردين الطائرات، مروراً بالتدخلات السياسية الداخلية، وصولاً الى قضية التعويض المرفوعة ضد الخطوط الجوية الحكومية منذ عشرين عاماً.

ومع التحسن الذي يشهده الاقتصاد العراقي، فان ازدياد الرحلات من وإلى العراق سيوفر الكثير من الدعم الذي يعتبر بامس الحاجة اليه.

وظلت الطائرات العراقية جاثمة على الارض لاكثر من عقدين، وذلك بسبب المشاكل الامنية والنقص في البنية التحتية، والى حد ما بسبب قرار المجلس الامن بتحديد "منطقة حظر الطيران" بالاضافة الى العقوبات التي فرضت على العراق بعد غزوه دولة الكويت عام 1990.

ومع ذلك شهدت الاشهر الاخيرة تزايدا ملفتا للنظر في الرحلات الجوية من وإلى العراق، في حين تتسابق شركات الخطوط الجوية الاقليمية والاوربية في الدخول الى هذه السوق الجديدة الواعدة.

  وبعد توقف دام لاكثر من عشرين عاماً، استانفت الخطوط العراقية اولى رحلاتها الى لندن عبر السويد ، وذلك بالرغم من تعرضها للتهديد بمقاضاتها من قبل محامي شركة الخطوط الجوية الكويتية بمبلغ مليار و200 مليون دولار كتعويض يعود الى زمن الغزو. 

ويقول حسن شعبان، المحلل القانوني والسياسي من بغداد " القضية باتت خطيرة للغاية. واذا لم يتم التوصل الى اتفاق بين العراق والكويت فعلى الجامعة العربية او الامم المتحدة التدخل لحلها. لا يمكن للوضع ان يستمر بهذا الشكل ، وإلا ستلحق هذه القضية ضررا بالغاً بمستقبل الطيران المدني في العراق بعد ان بدأ يتعافى أخيراً".

ولم تضعف هذه القضية حتى الآن أعمال شركات الخطوط الجوية الاخرى في العراق. فلقد استأنفت شركة لوفتهانزا الالمانية رحلاتها الاعتيادية من فرنكفورت الى اربيل، كما واعلنت بانها ستعاود رحلاتها الى مطار بغداد بحلول الصيف. وأعادت شركة الاتحاد الاماراتية رحلاتها الخمسة اسبوعيا من مطار ابوظبي الى مطار بغداد.

يقول عدنان بليبل، المدير العام لسلطة الطيران المدني العراقية " قبل 18 أشهر كانت هناك ست شركات طيران فقط تعمل في العراق، لكن هناك الآن 26 شركة طيران عربية ودولية عاملة في البلاد. بالاضافة الى ذلك، لدينا القدرة الآن على التعامل مع طائرات النقل والشحن المتطورة تكنولوجياً. وهذه خطوات انتقالية في قطاع الطيران المدني في العراق".

لكن خبراء في مجال النقل الجوي يتساءلون عما اذا كانت الحكومة المركزية في بغداد ستعطي المطارات الاقليمية الكبيرة، كمطار اربيل الحرية الكاملة في العمل.

"ستؤثر السياسة الداخلية العراقية على قطاع الطيران بشكل كبير، لانه يلعب دورا مهماً في تطور البلاد وسيشكل جزءاً حيوياً من الاقتصاد العراقي. سيراقب المسؤولون الكبار في بغداد هذا القطاع عن كثب" قال شعبان.

ومن جهته يقول المحلل الاقتصادي ورئيس اتحاد الغرف التجارية في العراق، فداد البديري " بناء مطار ضخم بعيد عن سيطرة ومراقبة الحكومة المركزية قد تكون له تأثيرات معينة".

وأضاف البديري " ان حقيقة عدم دخول عوائد المطار الى خزينة الدولة قد تفتح الباب للمحافظات لتوقيع اتفاقيات مع شركات دولية عملاقة لانجاز مشاريع مشتركة لا تجني الحكومة منها شيئاً. وربما تكون لهذه الشركات الدولية اليد العليا في المشروع وبالتالي سيطرتها على ثروات البلد. وسيمثل ذلك سابقة خطيرة".

وتعتبر شركة الخطوط الجوية العراقية الحكومية، وهي واحدة من أقدم الخطوط في الشرق الاوسط،  رائدة في مجال نهضة هذه الصناعة. تأسست في 1945، وتوقفت من 1991 الى 2004، حين قامت باول رحلة دولية لها الى العاصمة الاردنية عمان.

وتقوم شركة خطوط الجوية العراقية الآن برحلات الى 15 مدينة في 14 دولة، ولها اسطول مكون من 12 طائرة ، بالاضافة الى 47 طيارة اخرى سيتم استيرادها قريباً، بحسب الخطوط الجوية.

ويقول بليبل ان الحكومة أطلقت خطة 10 سنوات بالتنسيق مع الشركات العالمية بهدف تطوير قطاع الطيران.

"تأخذ الخطة في الحسبان ازدياد عدد الركاب الى مليون راكب سنوياً. ويبلع عدد الركاب في الوقت الراهن نصف مليون، وسيصل عدد الرحلات الى 400 رحلة يومياً". قال بليبل.

ولم تضيع الحكومة العراقية ولا شركات الطيران الجديدة العاملة في البلاد فرصة احتمالية زيادة خيارات الرحلات الجوية التي تعزز التبادل الثقافي والتنمية الاقتصادية بين العراق وبقية الدول العالم.

وفي هذا الصدد يقول واكيم ستاينبك، نائب مدير شركة لوفتهانزا للمبيعات والخدمات في الشرق الاوسط " لقد اخترنا الاستثمار في أسواق نامية معينة، وتعتبر هذه المنطقة واحدة منها" واضاف ستاينبك " وفي حين يزدهر الاقتصاد في اربيل، تشكل شركات الطيران قوة حاسمة في تطوير النمو الاقتصادي والتنمية الاقليمية وبالتالي الازدهار والرخاء. ونحن سعداء بتقديم حصتنا في هذا المجال".

ويرى نوري عثمان، رئيس ديوان حكومة اقليم كردستان، بان تأثير مطار اربيل الجديد سيكون كبيرا على اعادة تنشيط الاقتصاد في كردستان والاقتصاد العراقي بشكل عام.

وقال عثمان " كانت كردستان المعزولة نوعا ما بسبب طبيعة تضاريسها الارضية، بأمس الحاجة الى مطار دولي ضخم. وسيكون للمطار دور كبير على مستوى البلاد، ودور مهم في الاقليم".

وبالرغم من ان كردستان تنعم بحالة من الهدوء، إلا انه لا يمكن تعميم هذه الحالة على بقية أرجاء العراق.

وبهذا الخصوص يقول توفيق الياسري، المسؤول العسكري المتقاعد والمستشار في شؤون الارهاب في وزارة الدفاع العراقية " ان انفتاح العراق جوياً على دول المنطقة والعالم ، والعكس أيضاً، سيمثل تحدياً كبيراً للقوات الأمنية، بسبب تطور الاساليب المستخدمة من قبل الجماعات المتطرفة، الذي يوازي تطور الاساليب التي تستخدمها القوات الامنية. ويعرف الجميع بان الارهابيين يستهدفون الطائرات والمطارات، ولذلك ستزداد التهديدات بازدياد عدد الرحلات والمسافرين القادمين الى العراق". 

ويضيف الياسري " ان العامل الاكثر اثارة للقلق هو نقص الخبرة لدى الادارة العراقية في كيفية ادراة المطارات عندما يتعلق الامر بالارهابيين والجماعات الاجرامية. اذ تستخدم هذه الجماعات أساليب معقدة ومتقدمة اثبتت نجاحها حتى في الدول المتطورة والرائدة في استخدام الاساليب الامنية والاستخباراتية. وكما قلت، فان التهديدات ستتضاعف مع استقبال مطارات العراق للمزيد من الرحلات والطائرات".

ويستطرد الياسري " استهدف الكثير من الهجمات التي شنتها الجماعات المتطرفة في العديد من بلدان العالم اهداف ارضية وليست جوية، لان الطرق الارضية أكثر سهولة للاختراق من الاجراءات الامنية المتبعة في المطارات. لكن الامر يختلف في العراق كلياً، لانه يمر بأوضاع أمنية متدهورة بشكل عام، كما وتتفشى في دوائره ووزاراته ومؤسساته ، ومن ضمنها المطار، ظاهرة الفساد المالي والاداري. ويمكن للجماعات المسلحة استغلال هذا الفساد عبر دفع الاموال كرشاوي".

ويقول مدير المطار، كلاري، بان مطار اربيل الذي انشئ في سبيعينات القرن الماضي كمهبط عسكري يمكنه تقديم شيئين لا يمكن للخطوط الجوية اهمالهما: الاجراءات الامنية المشددة والوقود.

" اننا من ارخص مزودي الوقود في العالم لاننا في العراق. فكلفة الاستخراج منخفضة كما ان نفط الخام هو من أجود الانواع في العالم"

وأضاف كلاري بان سلطات المطار تحاول تخفيض سعر الوقود في اربيل الى 50 سنتاً من أجل جذب المزيد من شركات الخطوط الجوية. ويبلغ معدل السعر العالمي لوقود الطارئرات النفاثة في العالم 80 سنتاً للتر الواحد حسب الرابطة العالمية للنقل الجوي.

وبحسب عثمان فان حكومة اقليم كردستان هي التي مولت انشاء المطار الذي بلغت تكلفته 400 مليون دولار. وستشرف بنفسها على جميع النواحي الامنية التي بلغت مصروفاتها 60 مليون دولار من المجموع الكلي للكلفة الاجمالية.

كما ويبدو ان حكومة الاقليم تعتزم الحفاظ على العوائد المتوقعة من المطار الجديد.

" ان حكومة الاقليم بدأت المشروع وبنته. والميزانية التي خصصت لانشائه تعود لحكومة الاقليم. وستقدم سلطة الطيران المدني التابعة للحكومة المركزية ببغداد المساعدة للاشراف على المطار، لكنه ملكيته تعود لحكومة اقليم كردستان" قال عثمان.

وأضاف عثمان " لن تذهب العوائد الى حكومة بغداد لانها لم تشارك في الانشاء ولا في التمويل. وبالتالي ستحصل حكومة الاقليم لوحدها على عوائد المطار".

وسيبقى موضوع موافقة الحكومة المركزية في بغداد على حرمانها من عوائد هذا المشروع الدولي المربح أمر مرهون بالمستقبل. وخلال الشهر الماضي اتهم مطار النجف الدولي، وهو مطار تم انشائه عن طريق التمويل الخاص وازدادت عوائده بشكل متصاعد، الحكومة المركزية بالتدخل السياسي حين تم اغلاقه لفترة من الوقت. إلا ان حكومة بغداد نفت هذا الاتهام بقوة. (انظر تقرير: اغلاق مطار النجف يثير التوترات مع العاصمة بغداد)

وفي غضون ذلك فان مطار اربيل في وضع تأهب للانطلاق ومستعد للعب دور أكبر في صناعة الطيران المتنامية في العراق.

"وضعنا في غاية من الاهمية" يقول كلاري. "ما نحاول عمله هو جذب المزيد من شركات الخطوط الجوية والمزيد من الرحلات الى المزيد من المدن".

محمد فرات محرر محلي في معهد صحافة الحرب والسلم في اربيل. وساهم كل من المحرر المحلي في المعهد هوكر حسن والصحفي المتدرب في المعهد شورش خالد من السليمانية في انجاز هذا التقرير.