Institute for War and Peace Reporting | Giving Voice, Driving Change

احياء اجواء بغداد الليلية

كثيرون من أهل بغداد يعتبرون الخروج ممارسة بسيطة ترمز لتحدي المتطرفين
By IWPR Iraq
.

أما اليوم، فيعتبر وقت المغيب مناسبة للإحتفال، حيث تكتظ السيارات في شارع الكرادة وسط العاصمة، ويجوب الشباب البغداديون بأزيائهم الحديثة أمام نظرائهم من الجنس الآخر، في وقت يكتظ فيه العوائل داخل محلات الألبسة والمطاعم والمقاهي.



أما الشباب المتفتحين، فهم يبحثون عن عدد من النوادي الليلية والحانات المنتشرة في المدينة.



فمع تحسن الوضع الأمني الذي شهدته العاصمة وقلة ساعات حضر التجوال ليلاً، عادت الحياة الليلية البغدادية الشهيرة بالظهور مرة أخرى. إنها ترمز الى عودة الحياة الطبيعية لمدينة عانت من وحشية الحرب وما زالت تتعذب تحت وطأة الإنفجارات اليومية.



سكان العاصمة بغداد، تبنوا الفكرة الشعبية الشهيرة "إغتنم الفرصة" لقضاء أوقات فراغهم، عكس ما كان يجري خلال الأعوام 2006-2007 والتي تصاعدت فيها وتيرة العنف، حيث "كان السكان يغلقون أبواب بيوتهم عند الساعة الرابعة مساءا" وفق ما يقوله أحد سكان العاصمة بغداد.



ففي مطعم الحسناء الذي يقع في مركز العاصمة بغداد، تتقاطر الزبائن لمشاهدة العروض الغنائية التي يقدمها. حيث تجذب حفلات التسلية هذه ما بين 300 -400 زبون للمطعم المكون من طابقين، والذي يقدم الكحول ووجبات الطعام في إطار أجواء احتفالية.



احمد سعيد، البالغ من العمر 28، والذي يعمل كحارس للمطعم، يعلق بالقول "لا يكترث زبائننا للكلفة... كل ما يهمهم هو الإسترخاء".



وتعتبر الملاهي من آخر وأحدث ما أضيف إلى الحياة الليلية في بغداد، بعد أن أصدرت الحكومة قرارا في السنة الماضية أتاح للنوادي الليلية إعادة افتتاحها و التي كانت مغلقة منذ عام 1994، عندما أمر الرئيس العراقي السابق صدام حسين بإغلاقها في خطوة لكسب دعم الإسلاميين عقب قيامه بحرب الخليج.



وكانت سياسات النظام العراقي السابق المتسمة بالعلمانية قد أتاحت ولعدة عقود من ازدهار الحياة الليلية في بغداد والعديد من المدن الأخرى كالبصرة مثلاً. الا أن العديد من الرموز الدينية العراقية قد وجدت بان وجود ظاهرة شرب الكحول والدعارة أمرا مهينا.



لكن حياة بغداد الليلية الشهيرة لم تكن متعلقة بممارسة الرذيلة فقط. فدرجات الحرارة المرتفعة، خصوصا في فصلي الربيع والصيف، جعلتا من وقت المساء فرصة مثالية للعراقيين للإختلاط ببعضهم البعض. فالولائم التي كانت تقام إلى ما بعد منتصف الليل كانت نموذجا رائجا في مطاعم بغداد، كما كانت ساعات السمر الطويلة في أروقة المقاهي.



الا ان الصراع الطائفي الذي نشب بعد الغزو الأميركي للعراق في عام 2003، وانتشار المسلحين الخارجين على القانون والأصوليين وضع حدا لأيام بغداد الخوالي تلك. واليوم وحتى مع تحسن الأوضاع الأمنية، الا ان التفجيرات المتكررة لازالت تزعزع من ثقة المواطنين بسلامتهم.



هند صلاح، البالغة من العمر 32عاما، تعلق بان "الخروج ليلا يحمل مزيجا من التفائل والتخوف في آن واحد، خصوصا بعد تصاعد وتيرة العنف مؤخرا".



وكان اكثر من 150 شخصا قد لقوا حتفهم اثر عدة تفجيرات في الأسبوع الماضي فقط و التي استهدفت بشكل رئيسي عناصر الشرطة و الزوار الشيعة.



وتسلم هند، وهي أم لطفلين، تقطن منطقة السيدية إحدى المناطق التي كانت توصف بـ"الساخنة" في وقت من الأوقات، بأن "الهجمات المتفرقة تزرع بذور الخوف فينا". على الرغم من إنها مازالت ترتدي الجينز وتخرج باستمرار برفقة زوجها وأطفالها.



فالعديد من العراقيين اليوم، يعتبرون الخروج خارج منازلهم وفي الليل تحديداً، ممارسة ترمز إلى تحدي المتطرفين.



لكن أحلام الدليمي، البالغة من العمر 35عاما، وهي ربة بيت، تعتقد بأنه "لم تشكل الهجمات ذلك التأثير،" معلقة بالقول "بأن العراقيين يتمتعون بطبيعة فريدة: حيث تعلمنا ان نعيش وسط الجنة و النار في آن معاً".



اما ميثاق فاضل، 23 عاما، و هو مدرس اللغة الإنكليزية في جامعة بغداد، قال بأن السنين القليلة الماضية علمت البغداديين تجاهل العنف، "يقال أن المحنة تعلم اكثر من الدراسة، وقد مررنا بمحن كافية."



ويتمتع الشباب البغدادييون بولع كبير في الخروج من بوتقة المنزل، وهم مسرورون جداً لإستئناف نمط حياة أيام الخوالي في بغداد والتي تبعث وفق ما يرون على السعادة، كتمرير ارقام هواتفهم للفتيات، مثلا.



يقول سامر جمال، البالغ من العمر 26 عاما، وهو طالب في الجامعة التكنولوجية، بان "العديد من الشباب يحملون بطاقات عمل لإعطائها للفتيات لتثبيت المواعيد الغرامية". مضيفا أن "الفتيات يفضلن تلك الطريقة لأنها اكثر تحضرا".



ويبين سامر بان المليشيات التي كانت تسيطر على المدينة في السابق صعبت على الشباب التقرب من الفتيات. ويوضح "أي شخص يرصد وهو يمرر رقم هاتفه يؤخذ الى مكتب (ميليشيا) ليعاقب". اما الآن "فليس هناك قوات أمنية رسمية لتمنعك عن فعل ذلك".



و لكن ليس جميع النساء يستجبن لذلك، حيث تقول رنا احمد، 24 عاما، بأنها تتمتع بمشاهد إزدهار المدينة أثناء الليل، لكنها تنزعج من مضايقات الشباب أثناء خروجها مع أصدقائها و عائلتها.



رنا غالبا ما ترتدي زيا عسكريا عند خروجها أثناء الليل، والذي يمثل أخر صيحات الموضة في اوساط النساء العراقيات، وهي ترى انه بالرغم من ان تعليقات الشباب تثير غضبها، الا انها تعتقد بان ذلك هو اشارة على "ان الشباب في بغداد على طريقهم للعودة الى ممارسة حياتهم الطبيعية".



من جانب آخر، فقد لاقت محلات بيع المشروبات الكحولية رواجا كبيرا. حيث عادت مخازن الخمور بفتح ابوابها مجددا، و إن كان بوجود حماية أمنية أكثر، و باتت رؤية زجاجات البيرة المرمية على جانبي الطرقات في بعض شوارع العاصمة مشهدا مألوفا.



يصرح بعض مالكي مخازن الخمور من ان هذا التحول الذي تشهده العاصمة بغداد لم يكن بالشيء الهين.



صلاح ميخائيل الذي يملك محلا وسط المدينة، يعلق بالقول "بعد سقوط صدام، واجهنا العديد من المشاكل بضمنها تهديدات المليشيات لحملنا على إغلاق متاجرنا".



ويضيف "العديد من المتاجر فجرت في غضون عامي 2006 و2007 ... كنا نتمتع بالأمان إبان نظام صدام. وبالرغم من تحسن الوضع الأمني اليوم، الا ان ذلك الأمان لم يعد".



سامي عمر، والذي يعمل كضابط شرطة في منطقة الكرادة، يقول بأن "التفجير الأخير لم يؤثر على الأجواء الليلية لأنهم لم يستهدفوا المطاعم والنوادي الليلية، او متاجر الخمور. حيث مازالت بغداد تكتظ أثناء الأمسيات حتى منتصف الليل،" حيث يبدأ حظر التجوال في العاصمة من الساعة الثانية صباحا وحتى الخامسة فجراً.



الا أن وسط زحام الشوارع البغدادية الجديد ما زال البعض يتذكرون المشاهد الدموية الأخيرة.



مصطفى العاني، مالك متجر لبيع الملابس الرجالية، يعلق بالقول "مئات الآلاف من المواطنين الأبرياء لقوا حتفهم لقاء الحرية التي نتمتع بها الآن".



"بغداد الآن أسوا مكان بسبب موجة العنف التي تركتها منقسمة،" يخلص العاني.



باسم الشرع صحفي متدرب لدى معهد صحافة الحرب و السلام (IWPR) في بغداد. ساهم علي مرزوق، و هو أحد موظفي المعهد في بغداد، في هذا التقرير أيضا.