Institute for War and Peace Reporting | Giving Voice, Driving Change

أنا و الكلاشينكوف

ثقافة السلاح العراقية استمرت لعقود وما تزال حاضرة حتى الآن
By IWPR Iraq

“هذه بندقية كلاشينكوف آلية, تعمل بقوة الغاز, ونابض الإرجاع, عيار62, 7 ملم”


كم من مرة سمعت فيها هذه الكلمات؟ يكفي لأكثر من ثلاثين عاماً, حتى إني بت أعرفها أكثر مما أعرف اسمي. لمدة 35 عاماً أو تزيد عرض صدام حسين العراق لحروب لانهاية لها. وباتت البندقية حجر الزاوية في ثقافة العنف في العراق خلال تلك الفترة.


ويمكن القول أن كل بيت عراقي يوجد فيه سلاح, وفي الغالب فإن مسدس العائلة يؤدي دوراً لأغراض اجتماعية أكثر منه لأغراض أمنية .


يطلق الناس النار في الهواء للاحتفال بأي شيء, من الزفاف إلى فوز فريق كرة القدم المفضل لديهم, حتى أن الناس يطلقون النار في الهواء لمجرد أن يثبتوا وجهة نظر معينة عندما يتجادلون بشأنها.


ما زلت أتذكر المرة الأولى التي شاهدت فيها بندقية. كنت في السادسة من عمري عندما أستدعي عمي للقتال في الحرب العراقية ـ الإيرانية. وبعد 45 يوماً من التدريب, أرسلوه إلى الجبهة الأمامية. وعندما مرت الشهور ولم نسمع شيئاً عنه, باتت عائلتنا قلقة عليه بشكل متزايد.


وفي أحد الأيام, كان ثمة طرق على الباب, فتحناه لنجد عمي واقفاً بالزي العسكري حاملا بندقيته. لقد حصل على إجازة لعدة أسابيع, وقد قرر أن يفاجئنا بزيارة. وبينما كانت عائلتي تحتفل بعودته, تملكتني الدهشة عند رؤية بندقيته التي لم أشاهد شيئاً مثلها.


بعد بضعة أشهر, بدأت الدوام في المدرسة, وبعد فترة طويلة, رأيت بنادق أخرى مثل بندقية عمي. أولاً. شاهدت صورة ملونة لبندقية تظهر في أحد كتبي المدرسية. وقد سحرتني جداً. ثم, وبعد مرور عدة أيام. شاهدت مدير مدرستنا يلوح ببندقيته. "كلاشينكوف بندقية هجومية".


وكل يوم خميس. وفي احتفالية رفع العلم. يقوم المدير بمسيرة حول المدرسة بصحبة بندقيته. وبينما يرفع العلم ويردد الطلاب النشيد الوطني. فإن مدير المدرسة لا يستطيع مقاومة إغراء إطلاق النار في الهواء. كرهت صوت بندقيته. وحاولت دائماً أن أتغيب عن المدرسة كل يوم خميس.


وعندما بلغت السابعة عشرة من عمري. قام صدام بغزو الكويت. وهددت الولايات المتحدة بالتدخل. انخرطت في دورة للدفاع المدني للاستعداد للنزاع الوشيك. كنت أعتقد أن الدورة ستركز على مواضيع مثل السلامة من الحريق والإسعافات الأولية. لذلك كنت مندهشاً عندما ظهر عريف من الكلية العسكرية ليلقي علينا محاضرة. وكان يحمل (كلاشينكوف). وبدأ المحاضرة بالقول " هذه بندقية كلاشينكوف آلية. تعمل بقوة الغاز. ونابض الإرجاع. عيار 62, 7 ملم ".


وعندما انتهت حرب الخليج الثانية. بدأت قواتنا الفقيرة و السيئة التجهيز بالفرار من ميدان المعركة. وباع بعض الجنود بنادقهم مقابل ملابس مدنية وطعام. لكن حتى بعد أن باعوا بنادقهم رفضوا التخلي عن ثقافة العنف التي رسخها صدام فيهم .


بعد إتمامي للكلية. التحقت بمعسكر تدريب عسكري لإكمال خدمتي العسكرية الإلزامية. وغالبا ما كنا نتلقى المحاضرة ذاتها عن بندقية الكلاشينكوف الآلية التي تعمل بقوة الغاز ونابض الإرجاع. عيار 62, 7 ملم. و كان المدربين العسكريين يؤكدون دائماً أن البندقية ترمز الى شرفنا .


وأثناء دورة التدريب لمدة 72 يوماً لم نرم بسلاحنا سوى مرة واحدة على الرغم من حقيقة أن الحديث عن الكلاشينكوف أخذ الجزء الأكبر من الدورة. وكان من المفترض أن يطلق كل واحد منا ثلاث رصاصات. ولكن كل واحد أطلق رصاصتين فقط. لأن ضباطنا باعوا جزءاً من ذخيرتنا في السوق السوداء.


وعند إكمال تدريبي التحقت بمفرزة ( 14 تموز ) للدبابات في مدينة تكريت. مسقط رأس صدام. وعلى الرغم من أن موقعي العسكري هو رامي دبابة، تدربت ليوم واحد فقط على كيفية إطلاق النار من مدفع الدبابة عيار 100 ملم. وأمضيت معظم وقتي في معرفة بندقية الدبابة الأصغر. وعن طريق الصدفة. ظهر أن عيار بندقية الدبابة هو نفسه عيار الكلاشينكوف. وربما وكمسالة مناسبة. شرحوا لنا هذه البندقية بلغة مألوفة. وبدأ المدرب قائلاً " هذه بندقية آلية. تعمل بقوة الغاز ونابض الإرجاع. عيار 62, 7 ملم " .


ولما كان الرجال جميعهم الذين ولدوا عام 1957 قد جرى استدعاؤهم مؤخراً لإعادة التدريب لتشكيل جيش احتياطي. فقد جئت للمراقبة فقط. وأعرف أن هؤلاء الرجال هم كبار في السن بدرجة كافية ليشهدوا القتال في معظم حروب صدام. وبدأ أحد الضباط في المحاضرة القياسية عن الكلاشينكوف. عندها قاطعه أحد المتدربين. رافعاً قميصه كاشفاً عن جسد مليء بندوب جروح طلقات البندقية و هو يقول مشيراً إلى أحد تلك الندوب " سيدي هل ترى هذا الجرح؟ إنه من بندقية آلية. تعمل بقوة الغاز ونابض الإرجاع. عيار 62, 7 ملم. نحن نعرف هذه البندقية". ولكن الضابط أوضح أنه يتبع الأوامر فقط. واستمر في إلقاء محاضرته القياسية.


لقد عانى الشعب العراقي طويلاً من هذه البندقية وكل ما تمثله. والآن. وحتى بعد آخر حرب. عندما رمى الجنود بنادقهم من أجل إنقاذ أنفسهم. يبدو أن العراقيين ما زالوا متمسكين بثقافة العنف لديهم .


سلام جهاد ـ صحفي متدرب في معهد صحافة الحرب والسلام ـ بغداد