Institute for War and Peace Reporting | Giving Voice, Driving Change

أنا أيضاً فارقت الحياة مع ابني

الكاتب: قمر السعيد
By Qamar al-Said

كلمة المحرر: حين اخترت هذا العنوان لهذا النص لاقترحه على الكاتبة، لم أكن أعلم طبيعة الرد الذي سأتلقاه. الكاتبة قمر السعيد، سيدة في الأربعين من عمرها، أم لثلاثة شبان فقدت أحدهم. وثلاث فتيات هاجرت إحداهن مع زوجها. أما زوج قمر فقد تعرّض للاعتقال كما بُتِرت قدمه وفقد إحدى عينيه. لم يطل الأمر حتى تلقيت الرد بأن قمر فارقت الحياة فعلاً، بجسدها هذه المرّة وليس بروحها فقط. في 19 تشرين الثاني/نوفمبر 2015، تعرضت المزرعة حيث كانت تقيم مع بقية أفراد عائلتها للقصف، ما أودى بحياتها وحياة إحدى قريباتها.

سنعمل على نشر ما أرسلته لنا قمر من معاناتها وعنها، سنتعامل مع المادة كما لو كانت قمر بيننا. ما أصاب قمر أصاب ويصيب غيرها أيضا. نعمل هنا على نشر معاناتها التي تمثل معاناة الكثيرات في سوريا وفي غير مكان يشهد حروبا مماثلة.

 تنتهي حياتك حين تضع التراب على وجه ابنك الذي كنت تنتظره ليكبر أمام عينيك. حينها تعرف المعنى الحقيقي لكلمة حرب.

مع انطلاقة الثورة السورية في العام 2011،  كان إبني البكر خليل في الصف الثامن الابتدائي. ونشط مع أصدقائه في المدرسة بالمظاهرات السلمية، وكنت دائما أحرص على عدم إهماله لدروسه. في العام 2012  بلغ إبني مرحلة الشهادة الإعدادية، وبدأ الوضع في دوما يزداد سوءاً. ومع ذلك أقنعت خليل بضرورة متابعة دراسته، ولم أمنعه من المشاركة في المظاهرات بعد أن ينهي فروضه المدرسية.

في المظاهرات المسائية لمع نجم ابني خليل، وأصبح من أشهر الفتية الذين ينظمون المظاهرات الطلابية في مدرسته. في المساء كان خليل يجلس بجواري ليخبرني بما يحدث معه أثناء المظاهرات. بدأت أحدثه عن معاني الثورة التي قمنا بها فوجدته قد سبق عمره بكثير. وبدأ ولعه يزداد بالتاريخ، حيث كان يخبرني القصص العديدة التي قرأها على مواقع الكترونية تفضح فساد النظام السوري وتلاعبه بتاريخ الأمة العربية، وغير ذلك من القصص الكثيرة ليثبت لي بأنه ليس فتى صغيراً أعجبته المظاهرات فخرج بها. بل هو شاب في بداية تكوينه عرف الحق أين يكون فخرج يطالب به. رأيت فيه رجلاً صغيراً، وزاد حبي له عن بقية أبنائي.

وفي آخر يوم من أيام الامتحان النهائي، وقعت في دوما مجزرة رهيبة. استشهد فيها عدد من أصدقاء إبني وعائلاتهم بالكامل. كان ذلك في 28 يونيو/حزيران 2012. كنا في نفس اليوم نزحنا من منزلنا، بسبب اقتحام الجيش السوري لدوما. وعندما وصلنا خبر المجزرة الرهيبة لم يستطع خليل أن يتمالك نفسه. قرر أن يلتحق بمجموعات الجيش الحر، التي كانت تتواجد في مدينتنا على الرغم من صغر سنه. رفضت في بداية الأمر ولكنه أصرّ على ذلك. نزلت عند رغبته وأرسلته ليلتحق بكتيبة البراء التي كانت في بداياتها. بدأ معها كمصور، حيث تعلم على مبادئ التصوير في المظاهرات السلمية. وفي ما بعد أسرت كتيبة البراء 48 إيرانياً، وقامت بعرضهم على شاشات التلفزة وكان ذلك الخبر الأبرز في الثورة السورية في ذلك الوقت.

وفي 7 آب/أغسطس 2012، رد النظام السوري على توقيف الأسرى الإيرانيين باقتحام الغوطة الشرقية. بدأ يبحث في المزارع حيث كانت كتائب الجيش الحر. خلال اقتحاماته تلك اقترب من المزرعة التي كان فيها الأسرى. اشتبك مع كتيبة البراء حيث كان يوجد إبني، الذي اخترقت قلبه رصاصة واحدة كانت تكفي لتنهي حياته. انسحب رفاقه بسرعة من المزرعة ووضعوا جثمانه عند إحدى العائلات التي توجد في المنطقة وطلبوا منها أن تقوم بدفنه.

كنت أسمع أصوات الاشتباكات من بعيد ودموعي تنهمر لوحدها. حاولت أن أخفف من حدة توتري فبدأت بالصلاة والدعاء لله عز وجلّ. لا أعلم شيئاً وانتظر خبراً عن ابني ليأتيني خبر استشهاده عند غروب شمس ذلك اليوم، الذي أنا أيضاً فارقت الحياة مع ابني.

حرموني حتى من توديعه الى قبره ودفنه. لا أملك له صورة وهو شهيد أتذكره فيها. لا أملك إلا صوره وهو في مظاهرات الحرية التي استشهد في ما بعد وهو يدافع عنها. احتسبت ابني عند ربي، وصبرت على جرحي. حاولت أن أتظاهر بالقوة أمام أبنائي وزوجي. أصدقاء إبني جاؤوا لزيارتي وتقديم العزاء. رأيت في وجوههم ملامح ابني الغائب. الذي غادرني على عجل وهو في مقتبل العمر.

بعد أيام قليلة صدرت نتائج الامتحانات العامة. وكان ابني قد حصل على مجموع 186 ، درجة فذهبت إلى مدرسته لأحصل على شهادته لتبقى لي ذكرى منه.

حياتي أصبحت بلا معنى وبلا هدف فقدت بها بوصلة الأشياء التي كنت أسعى إليها. أحلامي رسمتها لابني الذي فقدته، أصبحت ثكلى جريحة الفؤاد من بعده. كلمات الصبر أصبحت سكينا موجعا أطعن بها في كل حين. وبالرغم من كل الألم الحياة مستمرة. والثورة التي خرجنا بها مازالت قائمة. بعد عدة أشهر عندما تم الإفراج عن الأسرى الإيرانيين بصفقة رديئة لا تصل لمستوى الخسائر التي تكبدناها في تلك العملية زاد همي ووجعي.

عندما شاهدت ذلك الخبر في شاشات التلفاز، ورأيت أهالي الأسرى يحتفلون بعودة أبنائهم من سوريا ويستقبلونهم بالورود، أدركت حجم خسارتي ومرارتها. ومستوى المؤامرة التي تعرض لها الشعب السوري ودائرة الموت التي تحيط فقط بالسوريين وبالثوار.

لم أعد أدرك الفرق بين إجرام النظام وظلم من امتطوا ظهر الثورة، وفرطوا بتضحيات الشعب السوري الذي قدم أبناءه قرابين للحرية.

بقيت في منزلي في دوما صامدة مع بقية عائلتي، أحاول فيها أن أتابع حياتي من أجل بقية أبنائي وزوجي الذي كبر أكثر من عشرين عاماً بعد ما فقد ابنه البكر الذي عول عليه الكثير. لأعيش في ما بعد مآسي أخرى أكبر بكثير من استشهاد ابني …