Institute for War and Peace Reporting | Giving Voice, Driving Change

أصبحت تحمل لقب زوجة شهيد

الكاتب: فيان محمد
By Vian Mohammad
A woman carries her child out of their house that was struck by a shell in the Marja neighbourhood of Aleppo. (Photo: Salah al-Ashqar)

رابع أيام عيد الأضحى في العام 2013 تاريخ محفور في ذاكرتها، يومها حملت ل. ي. طفلتها الرضيعة التي لم تكن أكملت عامها الأول، وطلبت من زوجها أن يوصلها إلى بيت أخيها. لم تكن تدري أن هذه أخر مرة ستجلس بجانب شريك حياتها الذي رافقته على الحلو والمر على مدى 16 عاماً.

ركبت السيارة في المقعد الأمامي بينما اندفع الأطفال إلى  المقعد الخلفي بدأت عجلات السيارة بالدوران لإيصالها الى بيت أخيها. لم تكن تدري أنه بدوران العجلات كان عداد عمر زوجها قد وصل إلى ثوانيه الاخيرة.

قالت له: لا تتأخر لكي ترجعنا إلى البيت.

رد بابتسامة: كنتِ قد أبلغتني أنك اشتقت إلى أخيكِ، سأتركك لآخر الليل، وعندما أعود سأمرّ بكم…

طلب منها أن تعتني بنفسها وبأطفالهما، بقي ينظر في عينيها لبرهة. ثم أدار السيارة فقد كان على موعد لإيصال صديق إلى قرية القحطانية التي تبعد عن القامشلي نحو 35كم.

اقترب الليل من منتصفه ولم يظهر زوجها، طلبت من أخيها إرجاعها إلى البيت، لاسيما أن اطفالها بدؤوا يشعرون بالنعاس.

أوصلها أخوها وما إن فتحت باب البيت حتى فوجئت بجموع في أرض الدار، ومن العبوس الذي كان على وجوههم انقبض قلبها. لم تتفوه بكلمة بدأت بتفقد الوجوه علّها تجده, الجميع كان حاضرا ما عدا زوجها.

فجأة اقتربت إحدى النسوة منها وعرفت عن نفسها بأنها من مؤسسة عوائل الشهداء (وهي مؤسسة تتولى مهمة التنسيق بين عوائل الشهداء والاطلاع على شؤونهم، وهي إحدى هيئات الادارة الذاتية التي اعلنها حزب الاتحاد الديمقراطي في الحسكة).

ردت عليها دون تركيز: ماذا تريدين؟ لا يوجد لدينا شباب في وحدات حماية الشعب وزوجي لا يتدخل بالأمور العسكرية…

لم تتفوه المرأة التي علقت على صدرها  صور شهداء أكراد وقعوا في معارك سابقة مع تنظيم الدولة الاسلامية. قبل يومين سقط العديد من الشهداء في منطقة جزعة القريبة من العراق.

اقترب أخو زوجها منها، أمسك بيدها وهو يتحاشى النظر بعينيها، كانتا تبحثان عن إجابة لسبب حضور مؤسسة عوائل الشهداء إلى بيتها في هذه الساعة المتأخرة. فجأة بدأت تتصبب عرقاً رغم أن درجة الحرارة كانت منخفضة كعادة ليالي تشرين في القامشلي.

صمت قاتل خيم على الجمع إلى أن استجمع أخو زوجها قواه وبصوت متقطع قال: أ. مات

أحست أن الدم تجمّد في عروقها وثقل قدمها، تمنّت من الله أن تكون قد سمعت خطأ وأن سبب غياب زوجها الآن هو انشغاله بعمل ما. هو اعتاد أن يتأخر بسبب العمل فهو يعمل حداد وبعد الدوام كان يقوم بعمل بروفات على إحدى المسرحيات فهو يهوى التمثيل.

بدأت بالسير بين المجتمعين وهي تسألهم بعيونها لعل أحدهم يكذّب الخبر.

بدأت تحدث نفسها :كيف حدث ذلك؟

لقد ذهب لإيصال صديق الى منطقة القحطانية وزوجي مدني والمنطقة آمنة لا يوجد فيها اشتباكات, ولكن ما من مجيب.

لا تدري كيف احتضنت طفلتها الصغيرة التي كان يصادف عيد ميلادها بعد 6 أيام، وكان والدها يحضر لها حفلة صغيرة، رغم أن لديه فتاة وولدين ولكن هذه الطفلة التي رزقا بها من جديد كانت لها معزة خاصة.

فما أن يدخل البيت كان يركض إلى حملها و مداعبتها وكأنه كان يعطيها جرعات زائدة من الحنان ليعوضها عن حنانه في الأيام المقبلة.

أخذوها كي تلقي نظرة الوداع على زوجها. كان فجر يوم جديد قد بدأ بالبزوغ, وهي واقفة أمام كيس أسود لا تعلم ما بداخله. بدأ يصل إلى مسمعها كيف أن شاحنة مليئة بالمتفجرات, كانت تقترب من نقطة عسكرية لوحدات حماية الشعب، وشاءت الاقدار أن تمر سيارة زوجها بنفس اللحظة التي ضغط بها سائق الشاحنة على الحزام الناسف الذي كان يلبسه. شظايا التفجير وصلت الى سيارته التي انفجرت أيضا في الحال.

لا تعرف من أين استمدت القوة وهي تنظر إلى الكيس الأسود. مدت يدها لفتحه لتلقي نظرة الوداع على زوجها، هنا أحست بيد قوية تمسك كتفها استدارت لتجد أخاها يقف بجانبها، ثم فتح رأس الكيس قليلاً. كللم تلمح سوى عيني زوجها، كانتا تقولان لها: وداعا يا شريكة حياتي. اهتمي بنفسكِ وبالاولاد.

أجلسوها على الكرسي، أعطوها قليلاً من الماء، كانت قد فقدت وعيها. حضنت طفلتها وبدأت دموعها تنزل كحبات المطر. كانت تنظر في عيني طفلتها بينما كانت إحدى النسوة تعلق صورة صغيرة لزوجها على صدرها، وهي تقول لها لتواسيها: الآن أصبحتِ زوجة شهيد وهناك الآلاف مثلكِ.