Institute for War and Peace Reporting | Giving Voice, Driving Change

أزمة أرض الخيرات تعصف بالكثيرين

تتسبب السدود التي أقيمت على الأنهر بتدفق مياه البحر التي تقضي على المحاصيل الزراعية
By IWPR Iraq
75 سنة على النهوض من فراشه يومياً قبل بزوغ الشمس هرباً من حرارة أشعة الشمس الحارقة التي سرعان ما تحيط بمنزله الكائن في أقصى الجنوب من محافظة البصرة.



يقول شاكر وهو يمسح العرق المتصبب من جبهته السمراء المجعدة " أول شيء يخطر على بالي عند النهوض في الصباح الباكر هو التوجه نحو حقلي الزراعي لأستنشق الهواء النقي المنعش لتمتلىء منه رئتاي ، فتجدني أسير بخطوات سريعة ومسحاتي تعلو كتفي كمسيرة جندي في موكب عسكري فخور بسلاحه الذي يحمله ".



يسكن شاكر مع عائلته في قضاء الفاو وهو مدينة ساحلية صغيرة تقع على بعد 110 كم جنوب مدينة البصرة ، وقد أعتاد أهالي هذه المنطقة على تحصيل مورد رزقهم اليومي عن طريق مهنتي الزراعة وصيد الأسماك على طول ساحل بساتين النخيل الكثيفة الممتدة بمحاذاة شط العرب.



لقد كانت هذه الأرض ذات يوم أرض الخيرات الطبيعية لما تشتهر به من فواكه وخضروات وأشجار الحناء ، كما إن موقعها الستراتيجي عند مدخل ميناء البصرة جعل من الفاو ساحة نزال رئيسية خلال الحرب العراقية-الأيرانية إبان عقد الثمانينات وكذلك خلال الغزو على العراق في عام 2003 بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية.



تواجه الفاو حالياً حالة دمار بيئي الذي يقول عنه المسؤولون وأهالي المنطقة إنه حصل من جرّاء بناء سدود وخزانات جديدة على نهري دجلة والفرات الرئيسيين في العراق وكذلك بسبب نهر الكارون الأيراني الذي أدى إلى إنخفاض بالغ في مياه شط العرب التي تجري لمسافة 200 كم.



نظراً لتناقص منسوب المياه العذبة فقد أندفعت مياه الخليج المالحة فغمرت عموم المنطقة الخصبة سابقاً وأمتزجت بمياه نهر شط العرب ، ويؤكد الخبراء في هذا المجال والمزارعين إن نسبة الملوحة المتزايدة تقضي على المحاصيل الزراعية وعلى الثروة الحيوانية وتجبر العوائل على النزوح من ديارهم.



ويبين شاكر " منذ حدوث هذه الكارثة في الفاو وعموم منطقة جنوب البصرة صرت أذهب إلى الحقل دون مسحاتي لعدم إحتياجي لها بعد الآن " ُمضيفاً " أعتمد الناس هنا على الزراعة وصيد الأسماك لغرض المعيشة لكن كل ذلك تلاشى بعد أن أصاب الجفاف المنطقة الزراعية إلى جانب عامل إزدياد نسبة الملوحة ".



" أرض بور" ذات مياه مالحة



يؤكد عامر سليمان مدير مديرية زراعة البصرة إن مشاكل المياه أدت إلى إستحالة القاطنين في المنطقة من زراعة المحاصيل أو من تربية الحيوانات وأعتبرتها دائرته منطقة منكوبة.



ممثل الحزب الأسلامي في مجلس محافظة البصرة أبو الكريم الدوسري تقدم بشكوى على أعلى المستويات ُمطالباً من خلالها المسؤولين الرفيعي المستوى في الحكومة العراقية وكذلك المنظمات الغير حكومية والأمم المتحدة بضرورة إتخاذ إجراء عاجل.



ُيشير مستوى الملوحة إلى مقدار الملح وغيره من المواد الكيميائية المذابة في الماء كالمغنيسيوم والكالسيوم والكبريتات. فلما يحتوي الماء على نسبة عالية من الأملاح والمواد الكيميائية مثال ذلك مياه البحر يصبح غير صالح للشرب وغير صالح للزراعة ومن شأنه إلحاق أضرارا ً كارثية بالنباتات والحيوانات الغير متكيفة على هذه البيئة الحياتية الجديدة.



أظهرت دراسة أجراها باحثون جيولوجيون أمريكيون في جامعة ولاية أوكلاهوما في عام 2008 ، إن مستوى الملوحة في نهر الفرات عند دخوله العراق قد أزداد بما يفوق الضعف منذ عام 1973 ، وُيبين المسؤولون المحليون تفاقم المشكلة بصورة كبيرة جداً خلال السنة الماضية.



لقد عانت المنطقة من الجفاف لعدة سنوات ونجم عن ذلك نزاعات وخلافات بين العراق ودول الجوارحول موضوع المياه ، فيزعم العراق إن السدود التي بنتها سوريا وتركيا قد أعاقت جريان مياه دجلة والفرات ، ويقول مدير بلدية الفاو أحمد المبادر إنه تم أيضا ً حرف مسار مجرى الكارون على طول الحدود العراقية-الأيرانية.



ويتنافس المسؤولون في الحكومة المركزية وفي الحكومة المحلية فيما بينهم من أجل الحصول على ردود حول الموضوع أو إحراز تقدم في هذا الجانب.



ذكر محافظ البصرة شلتاغ عبود إن حكومة بغداد رصدت مبلغاً قدره 20 مليون دولار أمريكي لمد أنبوب لجلب مياه صالحة للشرب من القرنة الواقعة على بعد 100 كم شمال مدينة البصرة يصل لغاية شبه جزيرة الفاو.



وأكد قائلاً " تعتبر الفاو المنطقة الأكثر تضرراً في المحافظة التي تحولت مساحات بمقدار 182000 كيلومتر مربع من أراضيها الزراعية والخصبة للغاية إلى أراضي بور ".



وفقاً لما جاء في تصريح رئيس لجنة الأنشاءات والتطويرات في البصرة مصطفى العطية فإنه تم إبرام عقد الشهر الماضي لبناء ثمانية وحدات تصفية المياه بالقرب من الفاو وبالقرب من مدينة البصرة.



وفي أعقاب إتفاقية ثنائية ُعقدت مع طهران رست بتأريخ 9/تشرين الأول سفن إيرانية لتزويد الساحل بمياه صالحة للشرب ، لكن يعتقد المسؤولون إن هذا الإجراء قد جاء متأخراً جداً كما يؤكد المبادر ذات الأمر بقوله " فالمشكلة أستمرت في التفاقم حتى أسدل الستار على موضوع الزراعة في المنطقة وأعتبرت الفاو منطقة منكوبة لنجد في هذه المرحلة المتأخرة جداً قيام الحكومة المحلية في المحافظة مع بعض المنظمات الأنسانية بالتحرك الهامشي البائس والعقيم تماماً ".



ويسترسل المبادر في شرحه مبيناً " تستغرق الخطة الموضوعة لتدارك الموقف ومعالجته ما يقرب من السنة على أقل تقدير من أجل توقع جني نتائج مرضية ليتحول الفاو خلال المدة الزمنية المذكورة إلى مستنقع كبير يخلو من أية رقعة خضراء ".



وُيعيد شاكر منتحباً ما أشار له المبادر من تقييم للموقف وهو يستذكرالحصاد الوفيرسابقاً فيقول بحزنٍ وأسى " كانت الأنهر تفيض بمياهها العذبة ذات يوم وكنا نزرع أنواع الفواكه والخضروات ونزرع مزيداً من أشجار النخيل لكن الزيادة الكبيرة في نسبة الأملاح في هذه الأنهر قتلت محاصيلنا الزراعية كلها وقضت على جميع حيواناتنا بضمنها جواميس الماء والدواجن ".



وأستطرد شاكر موضحاً " أعلنت الحكومة المحلية في البصرة تلك الأجراءات المتخذة لمعالجة الأمر لكنها ستستغرق وقتاً طويلاً حتى تعطي ثمارها وليس بمقدور المزارعين هنا الأنتظار طويلاً ".



نزوح إضطراري للعوائل



أحد سكان الفاو المدعو أبو رعد عمره 55 عاماً بدا متشائما ً ومتشككا ً من حيث قدرة الحكومة والمنظمات الداعمة لها على إيقاف تدفق المياه الملوثة أو النزوح الجماعي للعوائل المنكوبة ".



غادرت الفاو 250 عائلة ويستمر أبو رعد موضحاً " غادرت لمدن أخرى قد تكون في حالٍ أفضل لأستقبالهم أو قادرة على إستضافتهم لكن ببصيص أمل يبدو خافتاً في الأفق البعيد " ، مضيفاً " من الناحية الأخرى يستثمر المسؤولون لغايات سياسية ومكاسب إنتخابية مأساة الفاو كأداة مفيدة للقيام بزيارات قصيرة للفاو تلي زيارتهم لمدينة البصرة لمجرد منح أهاليها الكثير الكثير من الوعود التي لن تتحقق أبداً ".



أحد سكان قرية الدورح القريبة من الفاو ويدعى جاسم الجبوري عمره 60 عاماً يقول إنه كان أغنى شخص في المنطقة قبل حدوث أزمة المياه لكنه حالياً وبعد إضطراره لشراء الطن الواحد من الماء العذب بمبلغ 20000 دينار عراقي أو ما يعادل 17 دولاراً أمريكياً وبعد نفوق ماشيته يجد نفسه قد أصبح أشبه بالمفلس.



كما يبين الجبوري " توقفت عن شراء المياه العذبة لأني لن أتمكن بعد الآن من تسديد أقيامها لكن ليست المشكلة الأساسية في الحصول على مياه الشرب بل هي مياه الأرواء والسقي المالحة التي دمرت مزارعنا وبساتين النخيل ".



أما المياه العذبة التي نشتريها من الناقلات البحرية الأيرانية فلم تجلب لنا سوى القليل من المنفعة ُمبيناً السبب بقوله " فالمياه غير صالحة للشرب حيث تفوح منها رائحة الوقود وكان ذلك هو السبب الذي جعلنا نفكر في رفض مثل هذه المياه لكن يبدو إن القضية أكبر من أن يكون لنا فيها رأي ".



وتسائل شاكر بصوت عالي " كيف لي التفريط بهذه القرية وكيف لي بترك الأرض والشجر والنخيل والنهر التي نشأت بينها وفي كنفها منذ نعومة أضفاري وأنا طفلاً صغير والتي أرغب البقاء فيها وعلى أرضها حتى آخر يوم من عمري ؟! ".



مؤكداً " لن أغادر قريتي ، ليس لأني أثق بالحكومة أو بالسياسيين أو لأني مؤمن بأن الأمور ستتحسن في القريب العاجل بل لأني ببساطة شديدة ليس لدي من خيار آخر، هنا سأموت وفي هذه الأرض سأدفن !! .. ".



علي أبو عراق – صحفي متدرب في معهد صحافة الحرب والسلام - البصرة