Institute for War and Peace Reporting | Giving Voice, Driving Change

أخيراً سأسرّح شعري وأرى نفسي في المرآة

الكاتب: منال
By Manal

في كل صباح تكرر صغيرتي ذات السبع سنوات هذا السؤال، منذ خرجنا من داريا في21 تشرين الثاني/نوفمبر 2012. ثلاثة أشهر بعد نزوحنا أمضيناها، بمرّها ومرّها بانتظار العودة، وكان ينتظرنا نزوح جديد.

بمساحة لا تتجاوز التسعة أمتار، بات علي العيش مع زوجي وأطفالي الثلاثة.

في ما مضى، كان دأبي أن تكبر أحلام أطفالي ويشتد عودهم ليحققوها، الآن هذه التسعة أمتار لن تسمح بذلك.

تجلس صغيرتي لتلعب بمكعباتها وتبني بيتاً.

–           ماما، رح إبني بيت فيه غرف كتار، ومطبخ حتى ما تتعبي وأنتي عم تطبخي وتجلي عالأرض… ماما .. ماما.. مع حمام كمان.

أما ابني البالغ من العمر 12 عاماً، فقد بنى بيتاً أمضى أسبوعاً يجمع فيه الحجارة ليلعب مع أصدقائه فيه. لكن أمراً آخر قد حصل… ظالم صغير مستبد استولى على المكان… كان ذلك ابن صاحب البيت حيث نسكن… ولأننا لسنا في مدينتنا، فهذا يعني أنه ليس لنا الحق في الدفاع عن أدنى الحقوق حتى حق اللعب لأطفالنا. عاد حزيناً، يشعر بالهزيمة، بالظلم… وفهم كيف تُسلب الحقوق.

هذه الحادثة سببت نزوحاً ثالثاً… بعد أن طُردنا من أمتارهم التسعة من قصرهم!

بحثنا عن بديل… عن أي حل… الناس هنا تعاملنا كسياح حين نبحث عن مكان، أجور باهظة، وفي أوقات أخرى نُعامل كمن كانت حياته في البرية وبين الوحوش…

–           نازحون… لا تؤجرون منازلكم لهم… سبيخربونها..

علماً أن ما يؤجرونه ليس بيتاً دائماً بل غالباً ما يكون محلاً بدون منافع، أو حتى حظيرة حيوانات.

وجدنا مكاناً بدون أجرة، غرفة من 12 متراً هذه المرة، دون ملحقات طبعاً.

في كل يوم خبر جديد. استشهد صديق… اعتقل آخر… وضغوط هائلة، من أصحاب البيت خاصة، نظراتهم، وتعليقاتهم، وتدخلهم في كل كبيرة وصغيرة بشكل مباشر أو غير مباشر، ليس أقلها أنهم ينظرون إلينا كمن لا يملك حقاً حتى في اختيار نوع طعامه وثيابه، مهما كانت قليلة.

تضييق شديد يمارسونه علينا، أذكر مرة أنني لشدة ما اشتقت لاستخدام المرآة، صعدت إلى السطح حيث وجدت مرآة سيارة قديمة، كانت فرحتي كبيرة، حملتها كمن وجد كنزاً، أخيراً سأسرّح شعري، وأرى نفسي… في المرآة…

كم اشتقت لبيتي، مرآتي، ومشط شعري.. نظرت في المرآة ورحلت في حلم يقظة طويل… لم يدم ذلك طويلاً فمصادرة الأشياء المحببة بات كثيراً، وقد اعتدنا عليه، حتى الابتسامة صودرت.

فكأنما صبرنا، وهدوءنا، وقلة شكوانا، جرّت مصيبة إلينا، ولأن كل ما نقوله يصل إلى سمع صاحبة سكننا، كان لابد لنا من أن نخفض أصواتنا في كل حديث، وفي كل حركة، كي لا نكون سبباً في الإزعاج… إلا أن ما فهمته هي من فعلنا هذا هو أننا نتحدث عنها بسوء، فبدأت المضايقات للجميع، بدءاً بابنتي الصغرى مروراً بي وانتهاءً بزوجي.. وما من حل سوى الصمت…

كل القسوة في كل لحظات النهار… أنتظر المساء بفارغ الصبر.. لأنام. لأتوقف عن التفكير… 12 ساعة من النوم كافية لقتل كل الأحلام…

أسئلة أولادي في المساء تجعل الأمر أكثر صعوبة… عاد ابني للتفكير في ترك الدراسة لمساعدة أبيه في العمل وجمع المال، للخروج من العيش تحت رحمة الناس.

وعادت ابنتي تسأل سؤالها المسائي:

ماما .. بكرا بدنا نرجع عداريا؟

لا ماما لسا.

يعني أيمتى ماما؟