Institute for War and Peace Reporting | Giving Voice, Driving Change

يوميات طبيب في الرقة: قرار حول من يحصل على الأوكسيجين ومن يموت

By Abdul Karim Jaafar

 عبد الكريم جعفر

 (الرقة، سوريا) – مروان (اسم مستعار) طبيب متطوع  في مستشفى ميداني في الرقة، يبلغ من العمر 30 عاماً. يستيقظ مروان في أغلب الأيام على أصوات القصف، فيتوجه سريعاً إلى المستشفى لعلمه أن المتطوعين عددهم صغير وأنهم يحتاجون إلى مساعدته. قد يصدف أن يضطر إلى الذهاب في الفجر الباكر، فيمشي نحو نصف ساعة في الظلام حتى يصل إلى المستشفى، محاولاً تجنب الكلاب الشاردة على الطريق.

عندما يصل مروان إلى المستشفى، يصادفه ما لا يشبه يوم عمل عادي لطبيب في مكان آخر في العالم. المستشفى هو قبو في أحد المباني التي كانت مقرات إدارة حكومية قبل أن تسيطر المعارضة على الرقة في آذار/ مارس. تكتظّ  الغرفة الرئيسية في هذا القبو بأسرّة وضعت جنباً إلى جنب، وبالكاد يستطيع الأطباء والمتطوعون المرور من بينها، بينما يجلس أهالي المصابين على أرض الممر المؤدي إلى داخل غرفة الجراحة المستحدثة، يسمعون من خلف الجدران الإسمنتية أصوات الجرحى التي تتعالى مع زوال مفعول المخدر.   

تقصف القوات الحكومية الرقة بشكل شبه يومي بالطيران الحربي والمروحي منذ سيطرة المعارضة عليها، كما تندلع الاشتباكات المتفرقة بين مسلحي المعارضة والقوات الحكومية حول مقرين عسكريين لا يزالان تحت سيطرتها خارج المدينة، وهما مقرا “الفرقة 17″ و”اللواء 93″، بالإضافة إلى المطار العسكري في مدينة الطبقة القريبة. ويضاف إلى ذلك اشتباكات بدأت تندلع بين مسلحين من تنظيم “الدولة الإسلامية في العراق والشام” المرتبط بـ”القاعدة” ومجموعات من “الجيش السوري الحر”. يتسبب كل هذا في مقتل وجرح العديد من المدنيين ومقاتلي المعارضة ويضع ضغوطاً كبيرة على المشافي الميدانية السبعة في مدينة الرقة، بالإضافة إلى المستشفى الحكومي، وهي تعاني جميعها من نقص في المعدات الإسعافية والأدوية بحسب أطباء يعملون فيها.

 يمر على مروان يومياً حالات كثيرة و”بعضها صعب جداً”، على حد تعبيره. ويضيف مروان أن المستشفى يستقبل بحدود 10 حالات في الأيام العادية، بينما يرتفع عدد الإصابات عند قصف أحياء سكنية إلى أكثر من 40 حالة، وقد يموت الكثير من الجرحى.

 لكن من أصعب ما مر به مروان، هو علاج جريحين مصابين بنزيف دماغي وبحاجة ماسة إلى جهاز تنفس لم يكن متوفراً في المستشفى حينها. أسرع إلى سيارة إسعاف وأخذ جهاز التنفس من داخلها، إلا أن كمية الاوكسيجين في الجهاز لم تكن كافية لشخصين. يقول مروان: “لم أستطع تحمل مسؤولية الموقف؛ أعطيت الجهاز إلى متطوعين آخرين كي يقدّروا من الأحوج بينهما ويعطوه الأوكسيجين وبالتالي يموت الآخر”. لكن الجريح الذي أخذ الأوكسيجين مات أيضاً لأن إصابته كانت خطيرة والجهاز صغير لم يكن يفي بالغرض.

 يعمل في المستشفى 18 طبيباً، ثلاثة منهم يعملون أيضاً في المستشفى الحكومي ويأخذون رواتبهم من وزارة الصحة، بينما الباقون متطوعون ولا يقبضون سوى مبالغ بسيطة تأتي من التبرعات.

 يقول مروان إن معظم الأطباء هربوا من المدينة خوفاً من بطش القوات النظامية التي توعّدت بالرد بعد سيطرة المعارضة عليها، ويضيف “أدى ذلك إلى نقص حاد في الكادر الطبي، وهو ما دفعني إلى التطوع”.

ويقول مروان إن في حالات القصف العنيف يزيد عدد المتطوعين والمتبرعين بالدم، ما يمنح العاملين في المستشفى شعوراً بالرضا والدعم.

بالإضافة إلى المدنيين، يعالج هذا المستشفى مقاتلي المعارضة الجرحى الذين يدخل بعضهم بسلاحه، وقد يدخل بعض المقاتلين أيضاً بسلاحهم لحماية رفاقهم الجرحى، ما يثير مخاوف لدى المتطوعين من أن يتم استهداف المبنى من قبل القوات الحكومية.

وتزيد تصرفات بعض المسلحين خطورة الموقف. يقول مروان “أصبت في إحدى المرات بشظية اسمنتية بسبب رصاصة ضربت الحائط، وأصيب زميل لي بطلق ناري بعد شجار بين مسلحين وبين لص قبضوا عليه وأحضروه للعلاج”.

وفي إحدى المرات وقف مروان بين عنصر أمني حكومي ومسلح يريد ضربه، معرضاً نفسه للخطر.

يذكر مروان أنه قال للمسلح: “في المستشفى ننقذ أرواح الناس، إن كنت تريد ضربه فاتركني أنهي عملي وأعالجه، وافعل ما تريد خارج المستشفى”.

أحياناً لا يتمكن مروان من إخبار عائلته أنه سيتوجه إلى المستشفى، ويقول “أمي هي الضحية الأكبر من عملي في المستشفى الميداني. عندما تسمع أصوات القصف ولا تتمكن من الاطمئنان علي إلا بعد مدة بسبب انشغالي، أجدها منهارة خوفاً علي”.

يقضي مروان حوالي 15 ساعة في المستشفى، فلم يعد، كالسابق، يرى أهله وأصحابه إلا نادراً، “لم أجلس مع أصدقائي منذ أشهر، كدت أنسى تلك السهرات الجميلة، أصدقائي الآن هم متطوعو المستشفى، أراهم أكثر مما أرى أهلي ورفاق دربي”، يقول مروان.

 بعد أن تخرج مروان من كلية الطب عام 2009 لم يبدأ أي اختصاص ولم يفتح عيادة، لأنه متهرب من الخدمة العسكرية الإلزامية، ما جعله يعمل أجيراً في محل أبيه لإصلاح السيارات. تمكن بعد ذلك من العمل في مستشفى حكومي في الرقة كطبيب متدرب قبيل اندلاع الأحداث في سوريا، لأن هذا المنصب لا يتطلب شهادة إتمام الخدمة العسكرية. لكن مروان ترك العمل بعد ستة أشهر، بسبب مشاركته في المظاهرات السلمية، وخشيته أن يُكشف أمره للمخفر الموجود في المستشفى، الذي وصفه بأنه كان تحت سيطرة “عصابة مخابراتية مرعبة”.

 يتبادل مروان المزاح عادة مع زملائه الأطباء في المستشفى الميداني، قائلين إنهم يضطرون إلى تقديم العلاج في شتى الاختصاصات ما عدا التوليد، ولكن الطريف أنهم استقبلوا بالفعل حالة ولادة.

“كانت الولادة عسيرة جداً”، كما يقول، إلا أنهم تمكنوا من إتمامها بنجاح على رغم تواضع الإمكانيات المتوفرة.

الواقع اليومي الصعب الذي يواجهه مروان لم يفقده القدرة على الحلم، يفهو يطمح إلى امتلاك عيادة صغيرة يعالج فيها مرضاه، كغيره من الأطباء خارج سوريا، ثم يستدرك قائلاً “واجبي تجاه أهل مدينتي يمنعني من تحقيق أحلامي” ويضيف “آمل بعودة الأمان إلى بلادي، وأن ننعم جميعنا بسلام”.